Monday 25th July,200511988العددالأثنين 19 ,جمادى الثانية 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "محليــات"

يارايارا
من لغو الصيف
عبدالله بن بخيت

لاحظت أن أكثر الناس حديثاً عن الكتابة هم الناس الذين لا يجيدون الكتابة، هؤلاء الذين يمجدون الكتابة ويمجدون انتماءهم إليها ويتأوهون عند الحديث عنها هم الأقل حرفية. نغمة تمجيد الكتابة نشأت في ظني في فترة الحداثة في الثمانينيات. كان تيار العزلة قوياً في تلك الفترة ولم يجد الكتاب المميزون في ذلك الزمان ما يكتبون عنه سوى الكتابة نفسها. كل من عاش فترة الثمانينيات يتذكر عناوين: (عندما تأتي الكتابة) (زمن الكتابة) (المجد للكتابة) وكل من يكتب يكتب عن الكتابة. في ظني الكتابة هي صنعة مثل أي صنعة أخرى، هناك أناس يبرعون فيها أكثر من غيرهم. وقد أخذت وهجها وأهميتها التاريخية من تفشي الأمية في العالم. فكلما تناقص عدد الأميين قل وهج الكتابة. فالكاتب في الدول الاسكندنافية ليس له تلك الأهمية الميتافيزيقية التي يتمتع بها الكاتب في الهند مثلاً. ولا أشك أبداً أن الكتابة ارتبطت بالوعي والفكر حتى انتهت إلى أن شكلت ذاكرة الإنسان. ولكن تنوع الكتابة جعلها عرضة لأن تصبح كل شيء.
تختلف الكتابة عن الصنعات الأخرى لاتصالها بكل نواحي الحياة وخصوصاً الفكر والرأي العام، وهذا لا يعني أن الكاتب على صلة بالفكر والوعي على الدوام. فبقدر ما تستخدم الكتابة للوعي تستخدم للتضليل وتكريس الظلام. هناك وهم عظيم عند بعض الناس أن الكاتب لابد أنه مثقف. نعرف كتاباً ثقافتهم لا تتجاوز ثقافة مغير زيت السيارات.
أظن أن الكتابة هي أن تأخذ ورقة وقلماً وتسجل ما تريد أن تقوله ثم ترسله إلى الجريدة. إذا نشر يعد كتابة وإذا لم ينشر يعد كتابة أيضاً لأنك تعبت عليه، والباقي تفاصيل تعود إليك وتعود إلى القارئ وتعود إلى رئيس التحرير وأهم شيء في هذه السلسلة هو رئيس التحرير. فهو الذي يقرر الكتابة الجيدة والكتابة الرديئة بل إن رؤساء التحرير في بلادنا هم الذين يصنعون الكتابة والثقافة. كل جريدة تعكس وعي رئيس تحريرها إذا رأيت الجريدة ليبرالية تطرح قضاياها بوعي فاعرف ان رئيس التحرير ليبرالي، وإن رأيت الجريدة تنحو نحو العزلة وكراهة الآخر فاعرف أن رئيس تحريرها من جماعات الصحوة. وإن رأيت الجريدة خبيصة فاعرف أن عقل رئيس التحرير خبيصة. وعلى ضوء ذلك نشأ لدي مقياس للكاتب، فإذا أردت أن تعرف قدرك ومقدارك ككاتب اترك الجريدة أو المجلة التي تكتب فيها فإذا وجدت جريدة أخرى تستقبلك وترحب بكتاباتك وتعطيك مكافأة جيدة فأنت كاتب جيد وإذا وجدت أنك مسجون في مجاملة رئيس التحرير (الحبيب) الذي ابتلش بك فأنت لست كاتباً جيداً. ففي أيامنا هذه اختفت الشلليات وقوة مركز الكاتب الاجتماعي وفروق الجنسين(gender). هناك كتاب وكاتبات معلقون في قشرة الماضي عاشوا على ترديد السائد مع تعفيط الكلام والعبارات المبهرجة لتوهمهم قبل غيرهم بانتسابهم للحداثة، كلما قرأت مثل هذا تذكرت أغنية لمغن انجليزي يقول فيها: إذا رأيت المسن يقرأ جريدة الأمس قل له إن الأمس ولى.
شرط الكتابة الأول في الزمن الذي يتلاشى هو رضا رئيس التحرير. لا أتكلم عن الكتابة في الجرائد فقط بل الكتابة بصفة عامة لأن الكتابة في المملكة تبدأ دائماً من الصحافة حتى أن معظم الكتب السعودية هي في الأصل كتابات نشرت في الجرائد والمجلات وأجازها رئيس التحرير. فالذي صاغ الثقافة في المملكة هم رؤساء التحرير. قليلة جداً الكتابة التي جاءت من خارج الصحافة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved