لاشكّ أن الموت، وهو مآل كل كائن حيّ في الدنيا, ومورد تتجرّع غصّته النفوس، فهو حقّ لكنه مؤلم، وتكرهه النفوس كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فهو من حكمة الله البالغة، حيث جعل سبحانه الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقرّ، لكنّ المسلم يُرْجَى له برحمة الله الخير، في استقبال المولى، ولوليّه بالصبر عند الصدمة الأولى، وبما يصيب المرء من ألم ومرض ومصائب، حيث يكفّر الله عنه بذلك، وكذلك يُرْجَى للمتوفى الخير، بكثرة من يصلي عليه، وبالدعوات التي ترفع إلى الله له بالرحمة والمغفرة. ولئن فجعت البلاد والعباد بنبأ وفاة خادم الحرمين الشريفين: الملك فهد بن عبدالعزيز - تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جناته. فإن الله سبحانه قد جعل للمسلم علاجاً يخفف الألم من وطأة المصيبة، ويريح القلوب، لأنّ هذا من الابتلاء، الذي يمتحن الله به القلوب، حيث يقول سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} «البقرة 155- 157». فقد أمر الله عباده بالصبر والتحمل، والدعاء وتسليم الأمور إليه سبحانه، فله ما أخذ، وله ما أبقى وكل شيء عنده بمقدار.. ولا نقول في هذا الابتلاء إلا ما يرضي الربّ سبحانه: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} فالله يأمر بالصبر، ويجازي الصابرين، المحتسبين لما عند الله، بجزاء في ثلاثة: بالصلوات من الله، وتنزّل رحمته سبحانه عليهم، ويبشرهم بأنهم مهتدون، موفقون للاستجابة، وبحسن صبرهم. وهذا هو الواجب على كل مسلم، وكل فرد من أبناء الأمة، ويدخل في ذلك السمع والطاعة لولاة الامر وعدم الخروج عليهم، أو عصيانهم أو التنقيص من مكانتهم. والملك فهد - رحمه الله - الذي فقدته الأمة، قد حقّق لشعبه منذ بدأ في تسلّم المهمات الرسمية، أموراً كثيرة، ومكاسب متعددة، وللإسلام والمسلمين أيضا، حيث كان يحمل هموماً كثيرة، ويؤدّي خدمات جلىّ.. ستبقى شاهدة على مرّ الأيام، في أعمال بارزة، ومشروعات تعبر عن نفسها: - ففي خدمة الحرمين الشريفين، كانت توسعتهما التاريخية، وما بذل في إعمارهما، برهاناً شاهداً، على الصدق والوفاء، بالتزام الدرب الذي سار فيه والده الملك عبدالعزيز، بالحرص على إراحة وخدمة ضيوف الرحمن: حجاجاً وعماراً وزائرين، وتوفير الخدمات الكبيرة لهم، واستيعابهم مهما كثر عددهم. - وفي خدمة كتاب الله الكريم، لطباعة المصحف الشريف، وترجمة معاني القرآن الكريم، بلغات المسلمين في أي موقع كان، كان مجمع خادم الحرمين الشريفين منارة أضاءت على المسلمين في كل مكان بتوزيع الملايين من كتاب الله الكريم: مصاحف وأشرطة وترجمات وغيرها، ناهيك بما تبذل حكومة هذه البلاد من أموال في هذين السبيلين، الحرمين الشريفين، ومجمع الطباعة، وبدون ثمن إلا رجاء الأجر من الله سبحانه. - وفي ميدان خدمة المسلمين في العالم، والدفاع عن قضاياهم، وقضية مسلمي فلسطين، ترسم خطى والده الملك عبدالعزيز بعملٍ وبذْلٍ، وصدقٍ في الوفاء، دفاعاً عن قضاياهم، وحماسة لكل ما يهمهم، ومساعدة مالية في مشروعاتهم ومساجدهم.. فهو مع خدمته للحرمين الشريفين خادم للمسلمين في قضاياهم، وتتحمل حكومته الكثير في سبيلهم. - وفي المجال الوطني: تبقى المشروعات في داخل المملكة، والمساعدات للجمعيات الخيرية، وتحفيظ القرآن الكريم، والجوائز التشجيعية الحافزة للأعمال، والبحوث الإسلامية، سجلات أعمال خير، من جهود خادم الحرمين الشريفين وصفحات تاريخية تذكر فتشكر، وجزاؤها عند الله سبحانه، بالإخلاص والنية الصادقة، سوف يجده - إن شاء الله - مدخراً والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. - وفي المجال التعليمي والتربوي، فعندما تسلم الزمام في اعتلائه منصب أول وزارة للمعارف، بعد وفاة الملك عبدالعزيز: وضع أُسساً، وأرسى قواعد في البنية التعليمية، بنظرته البعيدة المدى، ففتح المجال للشباب، ابتعاثاً وتطلعاً، بما رسم من تخطيط، وما أرسى من قواعد، هي معالم الطريق في التعليم حتى الآن في بلادنا لأنها راسخة. - وفي المجال الأمني عندما تسلّم وزارة الداخلية ارتفع بالنظرة الأمنية لمصافات الأمم التي سبقتنا في هذا المضمار، فوضع بشمولية نظرته للأمور: خططاً وتنظيماً وتدريبا ارتفع بمسؤولية وزارة الداخلية، في الرجال والتعليم والأجهزة والخبرات، بما أعطى نتائج جيدة، وفق ما رسم من تخطيط، وما أرسى من قواعد. - وغير هذا من أعمال كثيرة تجعل المتحدث عن أعمال خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - في كل عمل بارز، ما هو إلا جزءا من العرفان بمكانته، وتعداد لمآثره، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم-، يحثّ كل مسلم بأن يذكر المحاسن من باب إعطاء الفضل لأهل الفضل. وعزاء الأمة في رحيل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد- تغمده الله برحمته- أن تسلّم الأمر، وأخذ برفعة الأمور: خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - أعانه الله على مهمته - وسدد خطاه ولئن توارثوا لقب خادم الحرمين الشريفين فإنما ذلك ترسم لخطوات القائد الباني لهذا الكيان الملك عبدالعزيز،- رحمه الله- الذي تواضع عندما مكنّه الله من الحرمين الشريفين، فقال: إنما أنا خادم للحرمين الشريفين، وأخذ اللقب من ذلك الوقت.. وكرره في خطبه. فكان الاهتمام من ذلك الوقت بخدمة الحرمين الشريفين عملاً وجُهْدا، لا مجرد لقب، حيث توارثوا شرف الخدمة: بدءاً بالملك عبدالعزيز، ثم بنوه من بعده: سعود وفيصل، ثم خالد وفهد، وها هو عبدالله يتسلم القيادة بأمانة، والتاريخ يسجل لهم هذه الخدمة: بأعمال تتحدث عن نفسها، ومشروعات بارزة للعيان، وخدمات وتوسعات وطرق وأمن، لم تعرف في تاريخ الحرمين الشريفين، بمثل ما هي الآن. ذلك أن كل وافد إلى المملكة العربية السعودية، متعبداً أو زائراً أو عاملاً، تتجسم هذه الأعمال أمامه التي تنبئ عن الجهود المبذولة، والأموال المدفوعة، والتجديدات السنوية في المشروعات، فيرى في كل عام زيادة عمّا رآه في المرة السابقة، وتحدثوا بذلك.. مما يعطي كُلَّ مسلم أن ولاة الأمر في هذه البلاد، من أولهم وباستمرار، يعملون بصمت، ويبذلون بسخاء، ولا يريدون ثناء من أحد، إلا الأجر من الله سبحانه وتعالى، ويسألونه الإعانة على ذلك، وكأن الشاعر عناهم بقوله:
إذا مات منّا سيد قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول |
وكانت الخطوة الاولى من خادم الحرمين الشريفين عبدالله بعدما بايعه مجلس العائلة، أن جعل ولاية العهد لأخيه سلطان بن عبدالعزيز لجدارته ولمكانته، ليشدّ عضده، وليكون له عوناً وسنداً. جمع الله شمل الأمة، بقيادتها، وحماهم الله من الشرور والآفات، ونضع أيدينا في أيديهم: سمعاً وطاعة، وتعاوناً على الخير، ونصحاً وإخلاصاً في العمل. ومن حقّ ولاة أمرنا أن ندعو لهم، بالتوفيق والإعانة على كل خير، كما أمرنا الله ورسوله بذلك. فرحم الله خادم الحرمين الشريفين - الملك فهد بن عبدالعزيز، وأسكنه فسيح جناته، جعل الله ما أصابه من مرض تكفيراً له، كما أخبر- صلى الله عليه وسلم- بقوله: (إذا أحبّ الله عبداً أصاب منه) وبقوله الكريم- عليه الصلاة والسلام-: (لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله، وليس عليه ذنب). لأن المصائب والأمراض، إذا صبر عليها الإنسان احتساباً ورضا، كانت من المكفرات. وأعان الله خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وجعله خير خلف، لخير سلف، وأيده بنصره وتوفيقه، وبارك الله في جهود وأعمال ولي عهده الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ونشر على أيديهما الأمن والاستقرار، وخذل الله بهما الشرّ ودعاة الشرّ.. ووفقهما بالأعوان على الخير. ورحم الله من مات من قياداتنا، وأسكنهم جنات الفردوس، في جنات الخلود، ووفق الله للحق من بقي وألهمهم الصواب، وأعز الله بهم الإسلام، ونصرهم الله بالإسلام، وأيد بالحق إمامنا والحمد لله رب العالمين.
|