هذا العنوان جزء من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة)، وما ذلك إلا لمكانة الأمانة وثقلها، وقد جاءت آيات كثيرة، في كتاب الله تبين منزلة الأمانة، وتحث على ما يجب على كل مسلم حيالها، وأدائها على الوجه المطلوب، نجتزئ من ذلك: - في بعض التعامل بين الناس، والمعاملة المالية بيعاً وشراء، أو مداينة يقول سبحانه:{ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } البقرة 283). - وفي معرض كسب الثقة بين الناس، والوفاء بالالتزامات نحو الآخرين، لتستمر المودة والإخاء يأتي الأمر للمؤمنين بأداء الأمانات والحقوق بنفس راضية يقول سبحانه: }إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا { )سورة النساء 58). - وفي مجال التعامل مع الله والاستجابة لرسوله، فيما هو أهم من عروض الدنيا وأموالها، يأتي الأمر التأكيد على: أمانة العقيدة التي هي محور الأعمال، وأمانة العبادة فيما شرع الله: أمْراً بالاستجابة، ونهْياً بالابتعاد، فيخاطب الله أهل الإيمان، بما يلامس قلوبهم، بمثل هذا القول الكريم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } (سورة الأنفال 27) ذلك أن خيانة أمانة الله، وعهد رسوله، أشدّ من خيانة التعامل بين الناس، في عروض الدنيا، وتزداد الأهمية بالنهي عندما تكون الخيانة لشرع الله، وأوامره، حيث تكون عن سابق إصرار وتعمّد. فالأمانة التي جاءت بمشتقاتها في كتاب الله، وعلى لسان رسوله الكريم مئات المرات، مرتبطة بالإيمان، فإنما تمثل الخير والنبل، في حسن التعامل الاجتماعي أو الأخلاقي، أو الأسري أو المالي، أو أمانة الأسرار والكلام، وغير ذلك، وعكسها الخيانة. فما أجمل تعاليم الإسلام، وما أحسن آدابه، لأنه دين الله، الذي رضيه لخير أمة أخرجت للناس، فهو يهذّب النفوس، ويرقق الطباع، ويدعو إلى تآلف المجتمع، وتقارب القلوب، وإلى الأمن والإيمان وعلاقتهما بالأمانة. وما انتشار الإسلام في كثير من مواقع المعمورة من الأرض، والتي لم تبلغها جيوش المسلمين، عندما امتدت في الأرض، لنشر دين الله، امتثالاً لحق الله في الدعوة لدينه، في مثل هذا التوجيه: { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } (سورة الزخرف 44) بل لم تحرص كثير من أمم الأرض، على الاهتمام بالإسلام: عقيدة وعملاً، وحماسة ومحبة، وامتثالاً وسلوكاً، ثم دعوة إليه، الا بعدما لامست بشاشته القلوب، وأنسوا بأمانة التعامل مع المسلمين، لأنهم رضوا بالله، وبالإسلام، فحققوا أمن القلوب. لم يتم هذا إلا من إعجاب تلك الأمم بطبائع المسلمين الوافدين عليهم: صدقاً في القول وأمانة في التعامل. وما حرص المسلمين على التمسك بمكارم الأخلاق، التي يحثّ عليها دينهم إلا لأنها سجية انطبعت فيهم، وامتثلوا أمر الله، وأمر رسوله فيها: خلقاً في النفوس، وتطبيقاً في العمل، بدون تكلف أو طمعاً في مصلحة. وما حصل من آثار في السابق، فإن البشرية تتوق إليه في الحاضر، كما روي عن أحد المستشرقين الذين درسوا الإسلام جيداً، فقال: لو طبّق المسلمون تعاليم دينهم باهتمام وحرص، لانقادت أوروبا للإسلام، لأنهم يبحثون عن شيء لم يجدوا القدوة الصالحة فيه، ومن ذلك الأمانة وحسن التعامل، وتوضيح أمر الله فيها. وما ذلك إلا لأن الأمانة صفة طيبة، وخلق نبيل، يترك أثراً في نفوس الفاقدين لهذه الخصلة، المنطلقين في تعاملهم، من حبّ الأثرة والاستعلاء، تلك الصفات، التي تترك أثراً سيئاً في التعامل وجشعاً في الأنانية والتكالب على المال بدون قناعة ولا مواربة. ولا شك أن الحرص والثبات، على الأمانة والصدق في المواعيد، وأداء الحقوق للآخرين والوفاء بالوعد، التي هي من تعاليم دين الإسلام عندما يتحلى بها الفرد، ويثبت عليها، فإنما ذلك لوجود رقابة ذاتية في موطن الإحساس، فيهتم بالالتزامات، التي له، ويعطى ما عليه للآخرين مما يترك أثراً فيمن يتعامل معه والنفوس قد جبلت على حبّ الخير، إلا أنّ ذلك الأثر، يؤدي دوراً كبيراً في القلوب، عندما يشعر الطرف الآخر: من المسلم أنه يلتزم بأمر الله، وأن هذه السلوكيات مما تأمر بها تعاليم الإسلام. ثم يتعمق ذلك الأثر، عندما ينتقل التعامل، إلى التعبير والحديث، لتأصيل ذلك التعامل، وبنصّ شرعي من أمر الله، أو كلام رسوله، يعبر عن ثقل الأمانة، والحث على حسن أدائها، سواء كانت مالاً أو سراً من الأسرار، حيث يقول سبحانه: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} (سورة النساء 58). بل إن الأمانة التي حرص عليها، أهل الإسلام، المترسمون خطا نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، أصبحت صفة لازمة فيهم، ومدحهم الله بها في الكتب السابقة لبعثته - عليه الصلاة والسلام -، ولازمة من لوازم هذه الأمة، التي عرفهم أهل الكتاب بها. وقد عظم الله منزلة المؤمنين بحرصهم على أدائها، وفق وجهها الحق، وما محافظتهم عليها، إلا من محافظتهم على شرع الله، الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، فبلغه للأمة بأمانة، ولم يكتم منه شيئاً لأن ذلك أمانة عنده، يحاسبه ربه على عدم التبليغ يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} سورة المائدة 67). واقتدى المخلصون من أمته، المهتدون بهديه، به في القدوة والتبليغ، فأثمرت في الأمم التي احتكوا بهم ودخل الإيمان في قلوبهم من هذا الطريق، وإنها لدعوة لكل مسلم في هذا الزمان، بأن يتمثل في عمله، ومعاملته مع الأمم الأخرى، على وجه الأرض، بحسن الأداء، وبنموذج القدوة بالأمانة، في جميع تعامله مع الشعوب بالمفهوم الحقيقي للأمانة : في عبادته وعقيدته، في حديثه وبيعه وشرائه، في أسرته وحسن خلقه، في مواعيده وأسراره، في حديثه وعقوده وغير ذلك، لأن هذه الأمور كلها أمانات، لا يستهان بها.. ولابد أن يبين أثرها في الآخرين : إعجابا ثم تقليداً، ثم اهتماماً بالمصدر الذي هو الإسلام. فإذا سار فيها كلها: طبعا لا تطبعا، وعرفه الآخرون بها، فإنهم مع كونه يكسب ثقتهم ويحترمونه، فإنه يعتبر داعية لدينه، وممثلاً لخلق المسلم، الذي مدحه الله بالأمانة، باعتبارها من الصفات العديدة، التي مدح الله بها - جل وعلا - المؤمنين، ووعدهم سبحانه على الاهتمام بها، والمحافظة عليها: الجزاء الأوفى، والدرجات العلا يوم القيامة فضلاً عن القبول في الدنيا، والسمعة الحسنة، يقول سبحانه في سورة المؤمنون في صفات عديدة مدح الله بها الفئة المؤمنة، ومنها الأمانة: { وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } (سورة المؤمنون 8). والأمانة والإيمان: مرتبطان ومتلازمان ببعضهما البعض : لغة وعقيدة، فلا أمانة لمن لا إيمان عنده، أما الارتباط في اللغة : فإنهما سويا مشتقان من مادة أمن، وهي تفيد الاطمئنان والاستقرار. وأما العقيدة : فلأن كلا منهما موطنه القلب، ومتى اختلّ مكان كل منهما من القلب، ضعف الوازع، وفسد مكنون القلب بما يلامسه من غشاوة، ومن ثم تخف الرقابة مع الله سبحانه. والأمانة عهده مع الله الذي يعلم السرّ وأخفى، وكل فرد مسلم مسؤول عن الأمانة العامة، والأمانة الخاصة، في العمل والوظيفة، بل في كل أمر، وما يترتب على هذا العهد من مسئوليات وتبعات. من حيل الحيوانات جاء في مجمع الأمثال، حكايات هي سبب تلك الأمثال، على ألسنة الحيوانات منها: - من حيل الثعلب : أن العرب زعمت، أن الثعلب رأى حجراً أبيض بين لِعْبيْن - الفتحة الضيقة بين حجرين - فأرادَ أن يغتال به الأسد، فأتاه ذات يوم فقال له: يا أبا الحارث، الغنيمة الباردة، شحمة بين (لِعْبَيْن) رأيتها، فكرهت أن أدنوا منها، وأحببت أن تتولى ذلك أنت، فهلمّ لأريكها. فانطلق به، حتى جاء به اليها، فقال: دونك يا أبا الحارث. فذهب الأسد ليدخل، فضاق به المكان، فقال له الثعلب: ادفع برأسك.. فأقبل الأسد يدفع برأسه ثم يدفع والثعلب يشجعه، حتى نشب، فلم يقدر أن يتقدم ولا أن يتأخر. ثم أقبل الثعلب يخدش خورانه - يعني مؤخره - فقال الأسد: ما تصنع يا ثعاله؟ - لقب الثعلب - قال: أريد أن استنقذك. قال: فمن قبل الرأس إذَنْ؟ قال الثعلب: لا أُحبّ تخديش وجه الصاحب. (2-17). ومن حكم الضب: زعموا أن أرنباً التقطتْ تمرة، فاختسلها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضبّ. فقالت: الأرنب: يا أبا الحسل - كنية الضب والحسل ولد الضبّ - قال: سميعاً دعوت قالت. أتيناك لنحتكم إليك، قال: عادلاً حكمتما. قالت: فاخرج إلينا. قال: في بيته يؤتى الحكم، قالت: إني وجدت تمرة. قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب. قال: لنفسه بغى الخير، قالت: فلطمته. قال: بحقكِ أخذت. قالت: فلطمنى. قال: حرٌّ انتصر. قالت: فاقض بيننا. قال: قد قضيت (2-17).
|