Tuesday 16th August,200512010العددالثلاثاء 11 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

الجوانب الفلسفية للحروبالجوانب الفلسفية للحروب
د. موسى بن عيسى العويس(*)

مبدأ القوة، وحب السيطرة، والسيادة، والمنافسة، والثأر هي الجوانب الخفيَّة المحركة للحروب، والدافعة لها، لكنّها لا يمكن أن تُرفع كشعار، ولا تُتَّخذ منطلقاً لإقناع الشعوب الساذجة، ومن هنا كان من الضرورة الحتميّة إضفاء شعارات أخرى تلامس وجدان الشعوب وتستنهضها، ولا تختلف في هذا الحكم، الحروب الداخلية عن الدولية.
* وقد أثبت التاريخ أنّه ما من حربٍ تنشأ إلاّ ومن ورائها أزمة تسبّبت في نشوئها، سواء كانت أزمة دينية، أو اجتماعية، أو أخلاقية، أو اقتصادية، أو وطنية، أو غير ذلك.
وليس من الضرورة أن تكون حقيقية، فكثيراً ما يختلقها الساسة المنتفعون، وتجد من يتبنّاها من المفكرين والمثقفين.
* وقد التفت مؤلف (تاريخ الفكر الأوربي الحديث) السيد (رونالد سترو) إلى جذور هذه الفلسفة، من خلال الإرهاصات التي سبقت الحروب العالمية، وتناولها بعقلانية الباحث المنصف، وضمير القاضي النزيه، وطموح الإنسان الفاعل، بعد أن رأى ما تسبّبت فيه تلك الحروب التي أفقدت العالم توازنه، وهددت علاقاته، وأدّت به إلى حالة من الإفلاس والفوضى السياسية والاجتماعية، بصورة أشبه ما تكون لما آلت إليه الأوضاع في هذا العصر.
* واللافت للانتباه أنّ رجال الفكر والأدب إبان الحروب الأوربية لم يقف دورهم على التأليف في هذا الجانب، بل انخرطوا في صفوف المقاتلين، واعتبروا هذه الحروب بشيراً إلهياً، واعتقدوا أنّهم يجاهدون لشفاء نفوسهم، وإنقاذ المدنية مما أحاط بها.
وكانت الروح الصوفية هي الموجِّه والمرشد للجماهير، لاسيما الشباب منهم، واستطاعوا أن يلبسوا الوطنية لباساً مقدساً، فانتشت الجماهير وانجرفت وراء قادة الفكر آنذاك.
وساد بين الأوساط الشعبية أنّ الحروب تُعَدُّ علاجاً ناجعاً لانهيار القيم، والتقاليد والأعراف، بل هي المنفذ الوحيد للخلاص مما يسود المجتمع، من طمع وجشع، وشحناء وتباغض، من هنا لم يجد الكاتب (اسكندر بلوك) من القول: (إنّ الحروب هي الوسيلة الوحيدة للانبعاث الأخلاقي)، ولم يكن (رومان رولان) ببعيدٍ عنه حين يقول: (ليس ثمة أحد من رجال الفكر لا يزعم بأنّ قضية وطنه، هي قضية الله، وقضية الحرية والتقدم الإنساني ..)، وتابعه (كروتسي) بقوله: (إنّنا نعيش دراما رائعة, حيث نرى ملايين من البشر، أنكر كلُّ واحدٍ منهم ذاته، وكرَّس نفسه لخدمة أُمّته ووطنه ..).
بل وقر في أذهان الشعوب ارتباط بقاء إيدلوجياتهم المقدسة ببقاء بلدانهم!، فهبُّوا دفاعاً عنها تحت هذا الشعور.
وتجذّرت الأفكار القومية على نحوٍ غير مسبوق حتى غدت مذاهب سياسية، بكلِّ ما لكلمة مذهب من معنى ومفهوم.
* لقد بلور (رولاند سترو) هذه المنطلقات في أربعة محاور ارتكزت عليها فلسفة دعاة الحروب، تتمثّل بالتالي:
1- الاعتقاد بأنّ الحرب توفِّر الفرصة للتجدُّد الروحي، وذلك من خلال انفصامها عن الماضي، ومثاليّتها الدفّاقة، والمنزّهة عن كلِّ نازع شخصي وأنانيّة الفرد.
2- ردم المهاوي الفاصلة بين الطبقات.
3- الرغبة في الإثارة والمغامرة والرومانسية المحتجّة على المدنيّة المادية الرتيبة.
4- وثمة من يرى في الحروب وكوارثها مخاضاً ضرورياً لولادة جديدة لهذا الكون.
* وأمام هذه المرتكزات الفلسفية لا نستطيع أن نحكم بتفرُّد المفكرين الغربيين بها، فالثقافة العربية ومذ العصور القديمة حفلت بهذه الرؤى، وكثيراً ما ضمّنوها أشعارهم، على نحو ما نقرؤه عن لقيط بن يعمر الإيادي بقوله:


يا قومُ إن لكم من إرث أولكم مجداً
أحاذرُ أن يفنى وينقطعا
ماذا يرد عليكم عزَ أولكم
إن ضاع آخره، أو ذلَ واتضعا
يا قوم لا تأمنوا إن كنتمُ غيراً
على نسائكم كسرى وما جمعا
هو الفناء الذي يجتث أصلكمُ
فمن رأى مثل ذا رأياً ومن سمعا

* كلٌّ هذه المحرّضات على الحرب تستبطنها دوافع أخرى، تبقى طي الكتمان في صدور الساسة.
* وبعد أعوام، وحين ألقت الحرب أوزارها في أوربا، محقِّقة بعض التطلُّعات القومية، أو لأمجاد الشخصية تغيَّرت المواقف من هذه الحروب وإذا بتلك الأهازيج القومية تتحوَّل إلى صرخات اعتراض، وصيحات استنكار للحرب ومجازرها، وبدأ رجال الفكر والأدب يسوقون الجماهير إلى التساؤل عن أهداف الحرب ومجازرها، وهكذا أمست الحروب في نظر الشعوب والمفكرين موضوعاًً للنقد والاستنكار، بعد أن كانت باعثاً على الغبطة والأمل، ومحطاً للتفاؤل والاستهواء.
* نحن العرب كغيرنا تتلوَّن مواقفنا بحسب الأحوال التي نعيشها، لكن تظلُّ صورة الحرب عندنا وبخاصة في ظلِّ انحسار المد الإسلامي والعربي، كقوة مؤثِّرة على نحو ما رسمه (زهير بن أبي سلمى)، في صوره المنفرة من الحرب، حين يقول:


وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ
وما هو عنها بالحديث المرجَم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضر إذا ضرّيتموها فتضرمِ
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم
كأحمر عادِ ثم ترضع فتفطمِ
فتغلل لكم ما لا تغلُّ لأهلها
قرىً بالعراق من قفيزٍ ودرهمِ

* دعوة (زهير) تمثِّل العرب حال السلم، وفيما سوى ذلك، فالتراث العربي زاخر بنماذج يستدعيها أبناؤه متى شاؤوا، ويوظفوها كيفما أرادوا.
(*) تعليم الرياض

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved