Friday 19th August,200512013العددالجمعة 14 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"دوليات"

على مرمى حجر! على مرمى حجر!
ميشيل كيلو(*)

إلى جانب الأهمية الرمزية الكبرى لانسحاب الاستيطان من منطقة كان شارون يرى أنها لا تختلف في شيء عن تل أبيب، ويتعهد بعدم تركها إلى الأبد، يتذكر المرء اليوم بفرح مقولة ياسر عرفات، الذي كان يقول إن فلسطين على مرمى حجر، والذي غرس الإيمان بمقولته هذه في عقول وقلوب أبناء شعبه، ممن واجهوا بقوة الوطنية وفسحة الأمل بطش العدو وتفوقه الكمي والنوعي، وانتزعوا منه هذا التراجع الهائل الأهمية، وهو أول النصر والدولة، وأول مسمار في نعش مشروع الاستيطان الصهيوني.
ويتذكر المرء، مع هذه المقولة، واقع نضال وطني بدأ قبل عرفات واستمر بعده، ولن يتوقف - بإذن الله - ما دام هناك عرق ينبض في جسد الفلسطيني ودم يجري في عروقه، وما بقي عدو على أرضه، وصراع بينه وبينه غزاته، أي بين ضعيف يقوى بحقه وتصميمه وكرامته وقوي يضعفه عدوانه وغربته عن المكان، مع أنه يفعل المستحيل لهزيمة مقابله الفلسطيني، الذي تقول أرقامه ومعطياته أنه كان يجب أن يهزم منذ زمن طويل، لكنها لا تخبره شيئا حول بقائه طيلة نيف ومائة عام في ساحة الصراع، رغم ما تعرض له كل لحظة من إبادة وتنكيل.
ويتذكر المرء، أخيرا، واقعتين حاسمتين: أولاهما أن فلسطين تبدو عصية على الهزيمة، بينما يبدو عدوها بعيدا بعد السماء عن الأرض عن انتصار لطالما أكد أنه أحرزه. وثانيتهما أنها تزداد قوة بمرور الوقت، لأن الأجيال الجديدة تحمل الأهداف والقيم النضالية والوطنية للأجيال السابقة لها، وتتحلى بروحها الفدائية، ولأن الوطنية الفلسطينية خط متصاعد لم يعرف الانقطاع أو التراخي، ترجح قرائن الصراع أنه لن يعرف في المستقبل أيضا التراجع أو الانقطاع، مهما كانت ساحة الصراع بعد غزة، التي لا يعني خروج العدو منها خروجها من المعركة، وجلاؤه عنها لا يعني وهن وحدة الوطنية الفلسطينية، وحدة الرؤية السياسية والممارسة النضالية، بل سيفضي إلى تعزيزها، كما تقول أطراف العمل الوطني، التي وإن ظهرت بينها تباينات هنا وهناك، فإنها لن تحمل خطورة جدية ما لم يسمح الفلسطينيون بتحولها إلى خلافات تتعلق بالاستراتيجية وخطط الصراع المرحلية.
ليس هناك من خطر يتربص بفلسطين أشد هولا من خطر تفكك وحدتها الوطنية، الذي يبدل - لا قدر الله - معطيات الصراع من أساسها، ويؤدي إلى مخاطر متنوعة منها:
- تشويش أولويات نضالها، التي توحد قدراتها وتوجهها نحو الصراع ضد العدو، واستبدالها بأولويات أخرى، ليست في أهميتها، تتعلق بطرق إدارة وحكم غزة، من شأنها أن تنقل التناقضات إلى الحيز الصديق، مع ما يضمره هذا من احتمالات تفجير قاتلة.
بعد غزة، تكون الأولوية المطلقة لتحرير الضفة والقدس، وإضافة قدرات غزة المنتصرة إلى قدراتهما، حسب مخطط مدروس ومتوافق عليه وطويل الأمد، يعد الخروج عليه خروجا على للوطنية الفلسطينية وعلى مستلزمات النضال والحرية وإقامة الدولة السيدة والمستقلة، فلا بد، إذن، من الاتفاق على الطريقة التي ستواصل غزة النضال - والقتال - من خلالها، كي لا تفقد فلسطين قوتها الضاربة والخبيرة، التي يجب أن توضع في خدمتها، وفق رؤية جديدة وطويلة الأمد وتناسب المستجدات الناجمة عن تحررها، تساهم غزة في بلورتها، لأنها لا تريد ولا تستطيع القعود جانبا، بينما الضفة والقدس تخوضان معركة مصيرهما.
- خدمة العدو، الذي لم ينسحب من غزة إلا لكي يخرج قوتها الهائلة من ميزان القوى الفلسطيني / الإسرائيلي العام، ويحيدها في معركة حاسمة قادمة ستقرر ليس مصير فلسطين وحدها، بل كذلك مصير إسرائيل، تتطلب إضعاف الجانب الفلسطيني وتقوية الجانب الإسرائيلي، بالخروج من غزة، الذي يجب أن يخرج قوتها من قوة فلسطين، قوة الحرية، وأن يعزز بغيابها قوة الصديق، قوة الاحتلال والاستيطان.
ثمة ملاحظة يجب أن تقال هنا، تتعلق بعلاقات القوة في لحظات الصراع المفصلية. لا شك في انسحاب إسرائيل من القطاع يعد هزيمة لها، وفي أنه حدث لتفادي هزيمة أكبر وأدهى هي تحرر الضفة والقدس. ولا شك في أن انتصار غزة واقعة تؤكد إمكانية الانتصار في بقية فلسطين، وفي أن ما بعد غزة سيكون حقبة إعادة تجميع وتعبئة قوى ملائمة للصراع في طوره الجديد، فليس من المقبول إذن أن تذهب فلسطين إلى المعركة الأكبر وهي منقسمة على نفسها، أو إذا خسرت قوة غزة، بينما يجمع العدو قواه ويوحدها ويبدل شروط المعركة وطبيعتها وميدانها وحجمها. إذا حدث شيء من هذا، فإنه سيكون خطأ يعادل الخيانة الوطنية، وخدمة تقدم للعدو من شأنها تسهيل انتصاره في معركة الحسم القادمة. لا بد من توحيد جهود فلسطين في هذه المرحلة بالذات، لأن لوحدتها اليوم وغدا أهمية تفوق أهميتها في كل مرحلة سابقة. ولا بد من العمل فلسطينيا بروحية وطنية هي روحية المشتركات والجوامع العامة وبسياسة اليد الممدودة والقلب المفتوح، التي ترى في قوة الآخر قوة ذاتية، وفي القوة الذاتية قوة لفلسطين وحدها، مهما كانت عوامل الخلاف والاختلاف هنا أو هناك، مع هذا الطرف أو ذاك، ما دام انسحاب العدو من غزة يصعّد الصراع على فلسطين ولا يضعفه، ويعزز فرص انتصار فلسطين في صراع متفاقم ومتسع يتطلب توحيد قواها إلى آخر ذرة منها، بغض النظر عن طابعها الفصائلي أو خطابها السياسي أو حجمها الشعبي.
هذه لحظة مفصلية سيكون لخياراتها نتائج تاريخية حاسمة، بعد أن صارت فلسطين على مرمى حجر، ودخل العدو في ما يجب تسميته (منطق انسحاب ميداني وهزيمة معنوية)، يعتقد أنه سيتخلص منه عبر الإقلاع عن ارتكاب الأخطاء وتقديم التنازلات - هكذا يسمي الانسحاب من غزة - وسيستطيع إنقاذ مغانمه الكبيرة - الاحتفاظ بالقسم الأكبر من الضفة وبالقدس كاملة - وإبطال منطق الانتصار، الذي بدأته فلسطين مع كفاحها المسلح، وإقامة منظمة التحرير، وتأسيس وحدة وطنية لا تهزها التحديات، وخوض المعارك بصبر ودأب وروح نضالية لا مثيل لها في تاريخ العالم الحديث.
لا يجوز أن ترتكب فلسطين من غزة فصاعدا أي خطأ مهما كان تافها، فالخطأ يعني نهاية منطق الانتصار، والعودة إلى ما قبله، إلى ما قبل النضال والمنظمة والوحدة الوطنية والصمود وانتصار غزة العظيم الدلالة، وهذا سيكون، إن حدث - لا سمح الله - كارثة أكبر من كارثة 1948، التي لم تغلق باب العودة إلى الوطن، بينما ستطيح الأخطاء بكل شيء، وستضيع التضحيات، التي قدمت من أجل أشرف وأعدل قضية عربية وإنسانية. فلسطين على مرمى حجر، وهي عائدة إلى شعبها: دولة سيدة ومستقلة وعربية وحرة، ولو بعد ألف عام. أليس هذا هو معنى انتصار غزة، الذي لا يجوز أن يضيع لأي سبب من الأسباب؟.

(*) كاتب سوري

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved