ابتليت كثير من الجهات بمظاهر مخالفة للديانة وللصيانة تشبه فيها الناس، ولا سيما النساء بأهل الكفر والفسق والانحلال، ونال مناسبات الأفراح بالأعراس من ذلك نصيبه بقدره، ومن ذلك ما يسمى بتشريعة الزوجة، وذلك بعرضها بكامل زينتها وجمالها على المتفرجات من النساء، وربما صاحبه نوع من الموسيقى تسير الزوجة على إيقاعها. ويعظم الأمر وتشدد خطورته إذا صاحبها زوجها بهذه المسيرة والجلوس أمام أعين النساء، وهو الخطر الجسيم على الدين وعلى العرض، بل وعلى زواجهما، وهذا المظهر اشتمل على مفاسد عديدة: منها التشبه بالكفار وأهل الانحلال، وصح عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من تشبه بقوم فهو منهم). ومنها الدخول على نساء لسن محارم للزوج، وقد نهى النبي- صلى الله عليه وسلم- عن الدخول على النساء، حتى شبه الحمو بالموت، وهو قريب الزوج، ومنها نظر الزوج إلى الحاضرات للزواج من معشر النساء، وهن بحلة الزينة والجمال، مما يزهده في زوجته، ويصرف نظره إلى غيرها، ومنها ما يحصل في هذه التشريعة من التحاسد والتغاير وإيغار الصدور بالهم والغم وسيئ الظن، مما بلي به بعض الناس في أفراحهم من استجلاب المغنيات والمغنين بآلات المعازف، والغناء الفاحش الماجن الرخيص، بالمبالغ الباهظة مما يستدعي حلول النقمة عليهم بهذا الزواج، وفساد البين، لبدئه بمعاص عظيمة لله عز وجل، والله عز وجل يقول في أول سورة لقمان: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. ولهو الحديث هذا هو الغناء، كما حلف به ابن مسعود- رضي الله عنه- وغيره، وفي صحيح البخاري وغيره عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف). مما يدل على حرمتها قبل ذلك، سيما وقد ضمت إلى كبائر الذنوب من الخمر والزنا والحرير على الرجال، هذا وأبيح للنساء الضرب بالدف في الأعراس خاصة بكلام فيه الشجاعة والمروءة لا بكلام المغنين والمطربين والمطربات، ذاك المشتمل على الفحش والسخافة وساقط القول والوصف. ومما تشتمل عليه بعض الزواجات للأسف الشديد اختلاط الرجال بالنساء، ولا سيما عند الطعام، أو دخول الرجال والشباب على النساء في حفل الزفاف، هو البلية العظمى التي خشيها النبي- عليه الصلاة والسلام- على أمته بدخول الرجال على النساء، وبأنه ما ترك فتنة أضر على الرجال من النساء، والعاقل ذو المروءة والصيانة يدرك ما ينتج هذا الاختلاط من مفاسد تنال الديانة والعرض والمروءة، وافتتان الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، والجميع بلباس الزينة وحالة التجمل مع ضعف وازع الخوف من الله، والغيرة على الأعراض، وعلى محارم الله. كما ونسمع من انتشار ظواهر تصوير حفلات العرس، ولا سيما الزوجين ورقص النساء بأنواع آلات التصوير بالفيديو أو الكاميرا أو غيرها، ومع شدة حرمة التصوير بذاته، كما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة- رضي الله عنهم- في التشديد والزجر والتهديد من ذلك بكونهم أشد الناس عذابا يوم القيامة... كيف وفيه هتك ستر الفضيلة، ونشر الرذيلة، وفضح الأعراض، واطلاع الأجانب من الرجال على صور النساء بكامل زينتهن في أنفسهن وألبستهن، وما يجره ذلك من ترك العفاف، وافتتان الشباب بالشابات، واشتعال أوار العشق، والهم والغم وسريان الفساد، مما جاءت الشرائع كلها والفطر بحفظه، وذا متعلق بحفظ الأعراض أصالة وتوجها. ألا فليحذر ذلك المؤمنون والمؤمنات الذين في قلوبهم الخوف من الله، وتعظيم أوامره، والغيرة على محارمه، ولينتبه لذلك ذو الغيرة والعقل والمروءة والكرامة. وعليه فإذا اشتمل حفل العرس على ذلك أو على بعض، فإنه يحرم على المسلم ذكراً أو امرأة حضور هذا الزواج أو المشاركة فيه لئلا يكون مشاركا في الاثم والذنب والله عز وجل يقول: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. ومن حضر هذه الأعراس فإن استطاع تغيير هذا المنكر والتقليل منه والا فيجب عليه الخروج منه، وعدم الجلوس فيه، والله يعصى أمره بمثل هذا المكان، ولو ترتب على ذلك قطيعة الرحم، فإن الله أمر بصلة الأرحام لكن لا من طريق معصيته. ويجب على أولياء النساء من الآباء والأزواج والإخوان مراعاة ذلك والتنبه له فيما يحضرون أهليهم له من الزواجات فإنه كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته، وليحذر الزوجان ابتداء حياتيهما بمثل هذه المعاصي فإنه شؤم عليهما في دينهما ودنياهما. إن من مظاهر البذخ والإسراف في الزواج، ومن أعظم أسباب فشل الزواج وجلب الشقاوة على العروسين بالطلاق والفراق، وقالة السوء والفرقة في الأهل والأقارب، وتقطيع الأرحام، يدور ذلك كله على سبب واضح هو المبالغة في ولائم العرس في القصور والفنادق، حتى تحقق قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: (شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء، ويدفع عنها الفقراء) أخرجه مسلم وغيره، هذا مع ما يكون في هذه الحفلات مما يغضب الله ورسوله، وينكره أهل الغيرة، ويجلب الشؤم والشر على العروسين وأهلهما، ومن ذلك: - الحسد والحقد والغل بأنواع اللباس والطعام مما يظهره المدعوون على أهل العرس فلسان حالهم يقول: لا بارك الله لكم في عرسكم، ولا كثر خيرهم، وفعل الله بهم وترك..! - جلب المغنيات والمغنين من الداخل والخارج وإنفاق المال الطائل عليهم، محاداة لله، وكفرانا بنعمه التي أنعم بها على أهل العروسين. - معصية الله في لباس النساء، وتصويرهن ودخول الرجال عليهن. - معصية الله ومعصية رسوله بإهانة النعم من مآكل ومشارب برميها والتكبر فيها في حال حاجة كثير من المعوزين والفقراء إلى بعضها، وعشر معشارها. - استجلاب الدعاء على هؤلاء المبذرين والمسرفين من المسلمين إذا سمعوا أو علموا بأحوالهم مما يجلب عليهم سحق البركة، وفساد العشرة، وقلة التوفيق. ولذا كان الزواج في مظهره العائلي المحفوف بخلص الأقارب والأصدقاء فضيلة وأي فضيلة، يحمدهم عليها العقلاء والفضلاء، والأقربون والأبعدون، ويتحقق لهم بها الأنس والفرح من محبيهم بزف العروس إلى زوجها في جو متواضع وبحفل بهيج غير متكلف ممن يحبونهم ويدعون لهم، يزداد بهم الفرح، وتحصل بهم الألفة والسرور، ولا بأس بمصاحبة ذلك للنساء فقط ضرب دف بكلام حسن جميل - غير ما حسن بذيء - يفرح فيه الصغير فلا يمنع من العرس، والكبير فلا يتكلف كره نفس وعبء في حضوره. فالله الله يا عقلاء المجتمع وعاقلاته بالبصر والبصيرة تجاه هذا المظهر الخطير، ووفروا على أنفسكم وعلى غيركم من المال والجهد والهم والعبء النفسي بالزواج المختصر، ووفروا كلفتكم على الزوج وعروسه بما ينفعهم في حياتهم أو على فقراء المسلمين بما ينفعهم دنيا وآخرة.
|