حاولت إسرائيل تغيير صورتها الدموية من خلال انسحابها من غزة دافعةً بإيحاءات أن الانسحاب يتم في إطار توجُّه سلمي. لكن إسرائيل التي لا تحتمل طبيعتها التواؤم مع كل ما هو سلمي لم تستطع الصبر حتى على كذبتها هذه، وسرعان ما أطلق رئيس وزرائها شارون العنان لأفكاره وتصريحاته العدوانية بقوله في أول يوم من أيام الخروج القسْري للمستوطنين: إن الاستيطان سيتوسَّع في الضفة الغربية. ويؤكد شارون بذلك الاعتقاد الشائع على نطاق واسع بأن الانسحاب من غزة ما هو إلا خطوة نحو التوسُّع في الضفة، ولم يكن شارون بحاجة إلى تأكيد سياسة إسرائيلية معتمدة منذ حين وتحظى بتأييد من الدولة العظمى؛ فشارون قد حاز على ضمانات من واشنطن بعدم الخروج من الكيانات الاستيطانية الكبرى في الضفة، كما أن الخروج من غزة لا علاقة له إطلاقاً بتوجُّه سلمي، بل هو هروب من المقاومة وضرباتها التي أذهلت إسرائيل، وفي كل وقت تظن إسرائيل أنها ضربت المقاومة في مقتل - من خلال تصفية قادتها - ترد المقاومة بصورة أقوى؛ ما جعل إسرائيل تراجع حساباتها في قطاع غزة وتدرك أن التخلص من هذا القطاع أقل كلفة من الاحتفاظ به، ويُنسب إلى أحد قادتها قوله: إنه يتمنى أن يفيق من نومه ليجد قطاع غزة قد غرق في البحر. وعلى الرغم من كل شيء فنحن أمام انتصار فلسطيني، والأحرى أن يُشجِّع هذا الانتصار على محاصرة شارون وجنده أيضاً في الضفة؛ ليخرجوا منها كما خرجوا من القطاع وقبله من جنوب لبنان؛ فإسرائيل المزهوة بقوتها توحي للجميع بأن جيشها لا يُقهر، وتصريحات شارون الأخيرة تصبُّ في الإطار ذاته؛ فهو يحاول تصوير الانسحاب وكأنه يتم من موقع قوة، لكن الأقوال شيء وما يحدث على أرض الواقع شيء آخر، فلم يكن الوجود الإسرائيلي القوي في جنوب لبنان يوحي بأن خروجاً وشيكاً كان سيحدث، لكن ضربات المقاومة لم تترك لإسرائيل حتى تخطيط انسحاب منظَّم، بل إن فلول القوات الإسرائيلية تشتَّتت في سهول الجنوب في حالة فرار حقيقي، واكتملت صورة المهانة لذلك الانسحاب المخزي بهرولة عشرات الآلاف من جيش جنوب لبنان العميل نحو الحدود وراء سادتهم من جند إسرائيل؛ حيث لم يعد لهم مكان في الوطن الذي خانوه. ويستطيع شارون أن يحوِّل هذه الهزيمة المتمثلة في الانسحاب من غزة إلى فعل سلمي جاد إن هو تعامل بطريقة صحيحة واستجاب لمقتضيات التسوية الشاملة والعادلة بدلاً من المناورات التي لن تغيِّر من طبيعة الحقوق الفلسطينية، ولن تجعل الفلسطينيين يتخلَّوْن عن جزء من أرضهم فقط لأنهم استعادوا غزة؛ فطريق النضال طويل، والمنتصِر هو الذي يملك الحافز والنَّفَس الطويل والصبر على المكاره في سبيل استعادة حقه.
|