أودُّ التعليق بمداخلة متواضعة على الحوار الساخن الذي يجري بين الأستاذ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ والدكتور حسن الهويمل والذي يدور حول (هل الحضارة الإسلامية حضارة شاملة؟). فآل الشيخ يرى أنها ليست كذلك، بل إنها حضارة فقه ولغة فقط، بينما يعارضه الهويمل حيث اعتبر هذا الكلام طعناً في الدولة الإسلامية وانتقاصاً لها، بل إن الدكتور توهَّم أن نقداً كهذا يمسُّ الدين الإسلامي! حتى إنه قال نصاً: (وهذا النقد السلبي التجزيئي يحقق إعجاز التنبؤ في نقض عرى الإسلام عروة عروة). لكن قبل أن أعلِّق أودُّ التنويه إلى أنني أفتخر بحضارتنا الإسلامية من ناحية الفقه واللغة، أما غير ذلك فلا أجده؛ لأن الواقع يؤيد كلام الأستاذ آل الشيخ؛ فهو كلام منطقي، ولم تكن الحقيقة في يوم من الأيام معيبة أو انتقاصاً، بل إن إيضاح الحقيقة كما هي مهما كان شكلها يدخل ضمن جلد الذات، وهو أصدق أنواع النقد. وأكبر دليل على أن الحضارة الإسلامية حضارة فقه ولغة هو أن مفاخرنا وإنجازاتنا التاريخية لا تتعدى طروحات فقهية من علماء دين متمكنين أو قصائد شعرية من شعراء بارعين، أما غير هؤلاء فلم يكن مرحَّباً بهم وسط المجتمع، فلو سألتَ مثلاً أي شخص مهما كانت ثقافته: هل تعرف المتنبي؟ فحتماً سيكون ملماً حتى ببعض قصائده. ولكن وجِّه السؤال هذا حتى لكثير من المثقفين: هل تعرف البيروني؟ فلن تتفاجأ لو نفى معرفته، مع أن هذا المفكر المسلم يُعتبر فكر أينشتاين امتداداً لفكره، لكنه لم يجد التفاعل الذي يستحقه من مجتمعه، بل لم يسلم من التهميش والتشكيك، وهو الذي ألَّف أكثر من 100 كتاب، منها كتاب استخراج الأوتار في الدائرة، وكتاب استيعاب الوجوه الممكنة في صفة الإسطرلاب، وكتاب الصيدنة في الطب. ومثل البيروني كثيرون؛ كابن رشد وابن سينا والخوارزمي، لكن بما أنهم مسلمون، والحضارة الإسلامية كان توجُّهها فقهياً لغوياً فقط فلم يكن المجتمع متقبِّلاً لهم، ولم يظهر امتداد لطروحاتهم وبحوثهم. وحتى يقتنع الدكتور الهويمل أن مشاركتنا في تطور الحضارة هي فعلاً مفقودة حتى الآن سأطلب منه أن يتخيَّل كيف سيكون وضعنا لو أننا تخلَّيْنا عن كل مساهمات التطور التي جاءتنا من الحضارات الأخرى واكتفينا بما حقَّقناه نحن فقط! فماذا سيرى دكتورنا الفاضل؟ بالتأكيد سيرى صورة لما عاشه أسلافنا منذ عدة آلاف السنين! فالزراعة كما هي في ذلك الحين، واستخراج الماء أيضاً لم يتغير، والمواصلات على الدواب نفسها، والمنازل ما تزال خياماً أو طيناً، والاتصال سيكون أسرعه الحمام الزاجل!! فهل سيرى الدكتور غير هذا؟ وما هو السبب إذن؟ السبب هو أن مجتمعنا رافض للنقد تماماً، ولا يتوانى عن اتهام المنتقِد بالطعن في الدين كما فعل الدكتور، بينما على النقيض تماماً نجد أن حضارة الغرب التي تحلِّق عالياً قد قامت على النقد الهادف والحوار الدائم دون اللجوء إلى تهميش الناقد أو السخرية منه.
|