أثناء العطلة الصيفية، وكما هي عادة الشباب في مثل هذه الأيام في جميع أنحاء العالم.. يتبادلون الزيارات.. ويقومون بمختلف الرحلات.. ابن الريف يزور المدينة ليتطلع إلى معالمها ويتعرف على ألوان الحياة فيها.. والأعمال التي يمارسونها، وكذلك ابن المدينة.. في مثل هذه الأيام يغير جو المدينة بالرحلات الاستطلاعية بين القرى والأرياف.. ليتعرف على شبابها، ومعالم آثارها، والطبيعة التي يعيشونها، والأعمال التي يقومون بها.. وفي أحد الأيام اجتمع نخبة من الشباب في أحد الأندية أو المتنزهات في المدينة بصديق لهم يسكن القرية ويعيش في أجوائها.. وكان لهؤلاء مخطط يحاولون به اقناع صديقهم القروي بالالتحاق بالمدينة، ومزاملتهم في الدراسة، وملازمتهم في المجالس والأندية كصديق يحبونه ويتعطشون لرؤيته.. ويتذوقون حلاوة حديثه، وطراوة أفكاره، وسمو أخلاقه.. فكان حديث ندوتهم.. المدينة ومزاياها.. والقرية وصفاتها، ولكثرتهم جلس طويلا ينصت باهتمام بالغ إلى أحاديثهم عن المدينة ومبالغتهم في وصف جمالها، والحياة في أحضانها، وهو يتفرص في وجوه المتحدثين.. ويحلل أقوالهم في خلجات نفسه، وداخل إطار ذاته، لا يقاطع متحدثاً، ولا يعترض على رأي متكلم.. حتى ظنوا انهم قد استحوذوا على تفكيره.. واستمالوه إلى مدينتهم. وبعد أن انتهى دور كل واحد منهم في الحديث عن المدينة وجمالها، وطيب الحياة فيها، استطلعوه رأيه فيما رأى بعينه في المدينة.. وسمع عنها.. ومع زفرة ألم وحزن، قال لهم بلسان جريء، وعقل رزين، وفكر بصير، وقلب كبير. لكم مدينتكم، ولي قريتي.. لكم مدينتكم بحضارتها ودلها ودلالها، ولي قريتي بخشونتها وعرقها.. لكم مدينتكم بأضوائها ومظاهرها، ولي قريتي بطبيعتها وطيبة أهلها.. لكم مدينتكم بما تتجمل به من عمارات وزخارف، ولي قريتي بما تتمثل به من أكواخ صغيرة، ومبان قديمة، وبساتين جميلة، ومزارع فسيحة.. لكم مدينتكم على ضوء الكهرباء تسيرون، وعلى تياره تطبخون، وبواسطته تستنشقون الهواء، وترتمون للدفء في الشتاء، ولي قريتي نسير على ضوء القمر، ونتفكر في ملكوت السماوات والأرض، نأكل من حرثنا، ونطبخ طعامنا على نارنا، وحولها نستدفئ في شتائنا. لكم مدينتكم بما احتوته من مظاهر براقة وعادات وتقاليد مستوردة، ولي قريتي بحياتها الطبيعية وعاداتها وتقاليدها الأصيلة الأولية. فأنتم على أصوات المزامير والأبواق المزعجة، وازيز المدافع والصواريخ المرعبة تنامون، ونحن على أنات الساقية، وزغاريد الطيور، وخرير المياه، وهديل الحمام، ونقنقة الضفادع ننام.أنتم في مدينتكم تقتلون أوقاتكم بالطواف المستمر في الشوارع والمقاهي وأماكن اللهو والعبث.. تلتهم عيونكم كل جديد، وتتعشقون كل مستورد، وتتقبل أفكاركم كل دخيل. ونحن في قريتنا.. نتعشق أزهار الأشجار، إذا أخضوضرت وتفتحت، وثمارها إذا أينعت، وقطافها إذا استوت. أنتم في مدينتكم تمارسون أنواعا كثيرة.. من سفاسف الأمور التي تجركم في النهاية إلى المنخفضات في الحياة لا المرتفعات منها.. ونحن في قريتنا نمارس الفضائل بأنواعها.. ليس فينا غريب يؤثر علينا، ولا أجنبي يستهوينا بالذي هو أدنى مما هو خير وأبقى.أنتم في مدينتكم عرضة للنزوات الطائشة، والهفوات القاتلة.. تسيرون بسرعة.. وتفكرون بلا تعقل، وتعملون بلا إنتاج، جرياً وراء سراب المدنية الزائف. ونحن في قريتنا نزاول حفر الأرض وزرعها وتربية الأنعام وتنميتها، وبذر الأشجار وغرسها بقلوب نقية، وأفكار سليمة، بعيدا عن مجتمعكم المترف المدلل. أنتم في مدينتكم تتصفون بالميوعة والرشاقة والأناقة.. ونحن في قريتنا من صفاتنا الرجولة، والشهامة، والشجاعة، نستقيها من صون عروبتنا، وجذور أصالتنا العربية. أنتم في مدينتكم الجار بعيد عن جاره، وصاحب الدار لا يعرف إلا داره.. ضيوفكم في المطاعم والمقاهي يأكلون.. وعلى الأرصفة وفي الشوارع ينامون، وزواركم يعيشون بينكم الغربة، والوحشة، ويشعرون بالإهانة والمذلة.. ونحن في قريتنا.. بعضنا لبعض ظهريا، نعرف غائبنا، فنرعى ذممه حتى يعود، ومريضنا نزوره حتى يشفى، وضيوفنا هم أهل الدار.. ونحن الضيوف.. تحلى لهم الأماكن المريحة في البساتين الزهرة والحدائق الفسيحة، والأماكن الرحبة، نطعمهم الطعام.. ونسقيهم القهوة العربية، والماء الزلال. تقولون لدينا المدارس والمعاهد، والجامعات، والمستشفيات،.. ونقول لكم لدينا مثلها.. ففي كل قرية مدرسة، وفي كل ريف مستوصف، وفي كل واد نموذج مصغر لما لديكم حسب متطلبات تلك القرية وهذا الريف. وتقولون الرفاهية والاستقرار، ونقول لكم الرفاهية بشم النسيم العليل.. بين الأشجار والنخيل والزرع والبساتين، وخرير المياه، وجداول الأنهار.. الاستقرار نعمة مضمونة مكفولة لكل عابر طريق، سهلاً كان أو وعراً، مدينة كانت أو قرية.. فله الحمد والشكر على هذه النعمة. تقولون، وتقولون.. ولكنني لا أراكم علينا تتميزون.. وكلنا يد واحدة، نعمل لوطن واحد، وتحت لواء واحد، ومن أجل عقيدة واحدة وهدف واحد.. فاتركوا ابن القرية لقريته، وابن المدينة لمدينته، فالأهداف مشتركة، والآمال موحدة، والأعمال قائمة لخدمة أمتنا ووطننا. واتفقوا على ان يتفقوا للعمل يداً واحدة، وصفاً واحداً كل في مكانه.. وفي حدود طاقته واختصاصه.. الصانع في مصنعه، المزارع في مزرعته، والتاجر في متجره، والأستاذ في جامعته، والمدرس في مدرسته، والطبيب في عيادته.. وانفض مجلسهم على هذا الهدف.
|