أيتها الوسطية الجميلة عمي صباحاً، صباحاً مضمخاً برائحة الورد والفل والأنفاس النقية.. ها أنت يا سيدتي تدخلين حياتنا كزائر مخاتل، زائر يسرقنا أجمل ما فينا (براءتنا)، يدلف إلى محاجرنا.. يتسلل إلى عقولنا.. يتشبث باللغة الفضفاضة التي تمنحه القدرة على المناورة والخداع. لقد بت يا سيدتي (حصان طروادة) الذي امتطاه بائعو الموت، واعداء الحياة، اعتقاداً منهم بسذاجتنا وطيبتنا الأولية.. أما وقد انكشفت سحناتهم الرمادية، وأهدافهم الشريرة فلم يعودوا يخدعون إلا أنفسهم : كيف أصدقك وهذا أثر فأسك!! أحياناً.. كنت أتساءل يا سيدتي.. أي مجد يريده هؤلاء المتوجسون من الآخر من جراء التوغل في معاداة الحياة والجمال وحق الاخرين في ان يعيشوا بعيداً عن لغة الخوف والإقصاء.. (والتمترس) خلف النصوص الداعية إلى محاربة (طواحين الهواء).. ولعل من المضحك أن الكثيرين ممن ألَّبوا الشباب في فترات سابقة على الانخراط في أتون اللعبة القذرة، وعرفوا بتطرفهم وغلوهم، والتشكيك في مثقفي الأمة.. وبعض أشرطتهم لما تزل تلعلع بهذا التوجه المشين ركبوا سفينة الوسطية.. بعد أن تحول بعض تلامذتهم إلى قتلة وإرهابيين. لعلهم أرادوا أن يكفروا عما اقترفوه من آثام وتشويه لسماحة ديننا عبر العشرين سنة الماضية. حينما أبحث عنك يا سيدتي في الشارع والمسجد والميادين العامة تعتريني الدهشة، فهناك فرق بين ما اسمعه وما أراه.. حتى ليخيل إلي أن هناك حملة خفية تدعو إلى أن تكون الوسطية مجرد شعار مظهري صوتي.. بينما تدعو في الخفاء إلى محاصرة المجتمع، والتضييق على عباد الله، ونشر توجهاتهم الفكرية المتعلقة عبر الكثير من المناشط الحياتية. خذوا أمثلة.. من قارعة الطريق: تبحث عن مطبوعة جادة من إحدى البقالات التي تبيع عادة الصحف والمجلات لتجلب المزيد من الحرفاء الطيبين - أمثالي - لتسويق البضائع التي أوشكت صلاحيتها على الانتهاء.. فيأتيك الجواب من البائع (الهندي): - مجلات ما فيه! وحين تسأل: ليه يا صديق؟! يجيبك: - فيه (مطوع) صاح: فين كفيل شيل مجلات.. هذا حرام.. كفيل شيل!! تفهم بصعوبة وتتساءل: هل وصل الأمر إلى هذه الدرجة؟ تتردد قليلاً .. ثم تشتري علبة ماء تبلل حلقك الجاف وتخرج إلى الشارع وأنت تصرخ: - تحيا الوسطية! في شارع (جنوبي) تلحظ ثلاثة من الرجال ينتزعون شريطاً غنائياً من سيارة أحد الشباب وهم يصرخون: الغناء حرام! ولأنك (متعدي وعابر سبيل) لا تملك إلا أن تبلع ريقك، وأنت تتمتم: - عاشت الوسطية! في الصباح الباكر تذهب إلى مدرستك، يرتفع علم بلادك ونشيدها الوطني في طابور الصباح.. تدب في جسدك قشعريرة هي مزيج من الزهو والفخر بهذا الوطن العظيم.. وتقف احتراماً لهذا الرمز.. يدير بعض المعلمين ظهورهم وينصرفون.. باعتبار الوقوف تحية للعلم (بدعة) لم تكن معروفة في زمن الرسول الكريم، ولا زمن صحابته والتابعين (وتابع التابعين) تلتفت إلى طلابك وخريطة وطنك المقدس تعلو الفناء.. وتحمد الله (الذي لا يحمد على مكروه سواء) على نعمة الوسطية ! تقرأ ملحقاً إسلامياً يصدر عن إحدى الصحف كل جمعة.. فتصدمك كلمة المشرف (الوسطي المتنور) وهو يصرح بلغة استئصالية موغلة في الغلو: (أيها الليبراليون لا مكان لكم بيننا! تضحك بملء شدقيك، وتتمنى لو تجرأ هذا الكاتب وأضاف: أيها التكفيريون.. لا مكان لكم بيننا! غير أنك (تحوقل) .. وأيتها الوسطية البقاء لك! بالصدفة تحضر درساً دينياً بعد العصر في أحد الجوامع فتسمع واعظاَ متشنجاً يصرخ مفتيا ومنبها على أن (التلفزيون) اختراع شيطاني من اعداء الإسلام، الهدف منه تدمير شبابنا وأن من يدخله منزله (ديوث) تتلفت يميناً ويساراً.. ظانا أنك وحدك المعني بذاك تنسحب بهدوء.. دون ان يراك أحد. وأنت تدعو للوسطية بالثبات! تتجول بحدقتي عينيك المتعبتين في إحدى المطبوعات وتقرأ باب الفتاوى (اسألوا أهل الذكر) فتأتيك إجابة أحد الدعاة على سائل عن حكم التصوير: بأنه حرام بواح! تبلعها، وتنظر إلى صورتك المعلقة على الحائط: ويا وسطيتنا البهية.. المستقبل لك! تقرأ لقاء أجرته (الوطن) مع محامي الجامعات الإسلامية (منتصر الزيات) فتبتسم.. وهو يقول: إن الشيخين (الحوالي والعواجي) وهما ممن صدعا رؤوسنا بدعوتهما إلى الوسطية والحوار وفهم الآخر، طلبا منه ألا يوافق على حضور ندوة أقامها أحد المفكرين التنويرين في مدينة جدة! تعود إلى المنزل بعد عناء يوم ثقيل.. تستلقي.. تفتح إحدى القنوات الفضائية.. تتابع حواراً مع بعض شيوخ ما يسمى (بالصحوة)، وممن ساهموا في دفع مئات الشباب إلى الانخراط في الأعمال المدمرة بعد غسل أدمغتهم.. وتراهم يتحولون إلى منظرين للإسلام الوسطي. ولأنك تعرف هذه السحنات، وتعرف تطرفها وغلوها ومحاربتها للآخر .. لا تحتمل أعصابك. تغلق الجهاز، وأنت تطبطب على الوسطية الملقاة بجوارك وتدعو لها بالصحة والعمر المديد! هل أضيف أدلة على نفاقنا وتناقضنا وازدواج معاييرنا؟ هل آتيكم بأدلة من واقعنا اليومي المعاش تبين سيطرة التوجهات المتطرفة على مفاصل حياتنا اليومية.. رغم زعم أصحابها بأنهم يمثلون التيار الوسطي؟ أيتها الوسطية الجميلة: كم من الأعمال القبيحة ترتكب باسمك!!
فاكس 076221413
|