سواء حصل توافق بين العرب السنة والشيعة والأكراد على مسوَّدة الدستور أم لم يحصل فإن النتيجة النهائية إقرار هذه المسودة التي يختلف عليها العراقيون حتى أبناء الطائفة الواحدة، وسيتم إقرارها من قِبل الجمعية الوطنية العراقية وبالأكثرية المطلوبة، وذلك للاعتبارات الآتية: أولاً: الرغبة الأمريكية الملحة، وخصوصاً من قِبل الرئيس جورج بوش، في أن يتم إقرار الدستور العراقي قبل 15 أكتوبر؛ حتى يستثمر هذا الإنجاز لوقف تدهور شعبيته بسبب سياسته في العراق. والأمريكيون يضغطون بقوة لإنجاز هذه المسألة، ليس فقط في إقرار مسودة الدستور من قِبل الجمعية الوطنية بل وتمريرها في الاستفتاء..!! ثانياً: استطاع التيار الشيعي الذي يقوده عبد العزيز الحكيم وإبراهيم الجعفري وأحمد الجلبي المنضمون تحت لواء الائتلاف الشيعي المدعوم من قِبل المرجع الشيعي علي السيستاني أن يوظِّف الأكثرية التي حصل عليها في الانتخابات التي لم يشارك فيها السنة وأن يضغط للحصول على مكاسب سياسية وطائفية لا تتوافق مع القوى السياسية للأطراف المنضوية تحت خيمة الائتلاف الذي يعارضه كثير من الشيعة العرب الذين يأخذون على مَن يتصدَّون لقيادة التيار الشيعي طرحه مواقف وآراء تتعارض مع الانتماء العربي للشيعة. ويرى الشيخ مقتدى الصدر، الذي يقود تياراً يعادل في قوته تيار الائتلاف إن لم يتفوق عليه، أن الحكيم والجعفري والجلبي وغيرهم ممن عادوا إلى العراق مع قوات الاحتلال لا يحق لهم الادعاء بتمثيل كل الشيعة، وأنهم لا يعبِّرون عن المواقف الحقيقية للشيعة العرب. ويؤيده في هذا المرجع الشيعي مهدي الخالصي. وقد لاحظ المتخصصون في الشأن العراقي أن الحكومة العراقية التي يسيطر عليها شيعة الائتلاف قد سبقت موعد الاستفتاء وبدأت في صنع أجواء متوترة في المناطق التي يُخشى أن يصوِّت مواطنوها ضد مسودة الدستور؛ فقد شهدت المدن السنية جنوب بغداد حملة اعتقالات تركزت ضد أئمة المساجد وأنصار هيئة العلماء والحزب الإسلامي والمؤتمر الوطني، وهي الجمعيات السنية التي ينشط أعضاؤها لتسجيل أسمائهم في قوائم الانتخابات. ويتوقع أن تشهد المحافظات السنية الرمادي وديالى وصلاح الدين والموصل في الأيام القادمة اشتباكات وتدهوراً للأمن يعيد إلى الأذهان الحالة نفسها التي كانت عليها هذه المحافظات لمنع مواطنيها من تأدية دورهم الانتخابي؛ مما يلغي أي مخاوف من معارضة السنة لمسودة الدستور؛ حيث ستمنع الأوضاع الأمنية المتدهورة السنة من التوجه إلى صناديق الاستفتاء. ولقد حاولت عناصر مرتبطة بجماعة الائتلاف الشيعي جرَّ أنصار التيار الصدري إلى معركة في النجف وفي مدينة الصدر لخلق توتر أمني يتيح للحكومة تحجيم ومحاصرة أنصار مقتدى الصدر الذين ينوون التصويت ضد الاستفتاء. ومع أن الصدريين قد اندفعوا في البداية إلى الفخ المنصوب لهم إلا أن السيد مقتدى الصدر انتبه لما كان يُراد لأنصاره من إيقاع، فطلب منهم التهدئة، وقد تجاوبوا مع ندائه سريعاً على رغم سرعة سيطرتهم على مقرات حزب الحكيم ومنظمة بدر في البصرة والعمارة والناصرية والكوت، وكان الهدف منع الصدريين من التأثير في نتيجة الاستفتاء الذي لا يعاني فقط من معارضة السنة بل أيضاً من معارضة الشيعة العرب، وستكون نتيجة الاستفتاء بداية لصراع سياسي أيضاً بين الشيعة أنفسهم؛ حيث لم يعد يخفى الصراع الدائر بين الشيعة أصحاب التوجُّه العربي والشيعة الذين يتبنَّون الفكر الفارسي.
|