قال عبدالرحمن بن شماسة المهري - رحمه الله: أتيت عائشة رضي الله عنها، أسألها عن شيء، فقالت: من أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ تقصد عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقلت: ما نقمنا منه شيئاً، إنْ كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير، والعبد، فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة، فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد - تقصد محمد بن أبي بكر الذي قتله معاوية بن خديج أحد رجال عمرو بن العاص - أنْ أخبرك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول في بيتي هذا: (اللهم من وَلِيَ من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم، فارفق به). وقال بعض الحكماء: مما يجب على السلطان أن يلتزمه العدل في الظاهر من أفعاله، لإقامة أمر سلطانه، وفي ضميره لإقامة أمر دينه، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان، ومَدَار السياسة كلّها على العدل والإنصاف، لا يقوم سلطان ويستقر سواء لأهل الكفر أو الإيمان إلا بهما، ولا يدور إلا عليهما، إنَّ الملك والعدل أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر. الرِّفق بالرَّعية صفةُ الوُلاة الذين هداهم الله للخير وعمله، ويسَّر لهم القيام بما أوجب عليهم من مصالح العباد والبلاد. ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم الوارد في حديث عائشة السابق واضحٌ في تحديد الموقف الإسلامي من ولي الأمر العادل الرفيق برعيته، ومن ولي الأمر الظالم الشديد على رعيته، لأن الإسلام دين الرفق الذي لا يكون في شيء إلاَّ زانه ولا يُنزع من شيء إلاَّ شانه. وولي الأمر الذي يشفق على رعيته، ويكون ورفيقاً بهم، هو الأَولى بالسرور والرِّضا وبإجزال الشكر لله عز وجلَّ، لأنه بهذا ينفع نفسه، ويدخل في بركة الدعوة النبوية الكريمة (اللهم من وليَ من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به). إنَّ الرِّفق دليل على سلامة صدر الإنسان، وصلاح سريرته، فالرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنَّ من أُعطي حظَّه من الرفق فقد أعطي حظَّه من الخير كلّه، ومَنْ حُرم حظه من الرفق فقد حُرم حظَّه من الخير كلِّه. وحينما قال خالد بن عبدالله القسري لبلال بن أبي بردة: لا تطلب من رعيتك إلاّ ما تبذل لها، فإنَّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فإنه مدركٌ ما في الحرص على منافع الناس من الخير لولي الأمر والنصر والتأييد. مواقف كثيرة للرفق خطرت بالبال وأنا أتابع الأثر الجميل الذي تركته في نفوس الناس عناية خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - وفقه الله - بأحوالهم المادية، وأرى ذلك السرور الذي غمر قلوبهم، وهم يشعرون بيدٍ حانية تمتدُّ إليهم في غابة تكاليف هذا العصر المادية الكبيرة، إنها صورة من صور الرفق بالرَّعية تستحق الشكر والتقدير والدَّعاء لصاحبها بالأجر الوفير والنصر والتأييد، وهي صورة توحي بما تحمله نفس أبي متعب من حب للناس وحرص على مصالحهم، وإنَّ رعاية المصالح المادية للرعية من أهم أنواع الرعية الواجبة على وليِّ الأمر، فرعاية مصالح الدين، بالحرص عليه ودعم دعاته وعلمائه، والوقوف في وجه من يجنح عنه إلى تفريط مضلّ، أو إفراط مخلّ، هي أعلى أنواع الرعاية وأسماها لأنها أساس كل رعاية تأتي بعدها، ومن أهم أنواع الرعايات (رعاية مصالح الناس الدنيوية) وقضاء حوائجهم، والرفق بهم، بل إنها في مقدمة أنواع الرعاية المنبثقة من رعاية الدين، والحرص على توجيهات شرع الله الحكيم، الشرع الذي يقوم على أساس العدل والرحمة والرفق، حيث امتدح الله سبحانه وتعالى بها رسوله عليه الصلاة والسلام { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }. إننا نوجِّه طاقاتٍ عطرةً من الشكر إلى خادم الحرمين الشريفين وندعو له بالتوفيق ونهنِّئه على ما يتّجه إليه من دعاء الناس وشكرهم وحبهم الكبير. -*-*-*-*- إشارة: -*-*-*-*- قال عمر بن عبدالعزيز لعديّ بن أرطأة: اعلم أنَّ مالك عند الله، مِثْلُ ما للرعيّة عندك.
|