الانقسامات العراقية

في العراق يبدو أن القاسم المشترك بين جميع الأحزاب هو الخلاف، بل هو الأمر السائد حتى داخل الحزب الواحد أو الطائفة الواحدة، وفيما تكون إفرازات هذه الحالة جثث تتناثر هنا أو هناك فإن البعض يفضل الحفاظ على أدبيات الاختلاف ويحصرها فقط في مجال النقاش والجدال، لكن في العراق أيضا لا توجد ضمانات على الالتزام بهذه القواعد فسرعان ما ينفلت النقاش إلى قتال شرس حتى بين أبناء الطائفة الواحدة، ولعل القتال الشيعي الشيعي في عدة مدن عراقية هو خير دليل على ذلك.
على أن العراقيين لا يموتون أو لا يتم قتلهم لأسباب واضحة وظاهرة، فهناك المئات - إن لم نقل الآلاف - الذين لا يُعرف كيف لقوا مصرعهم أو لماذا قتلوا، والمثال الأخير هو لتلك الجثث، وعددها 37، التي تم العثور عليها في مجرى مائي جنوب بغداد، وقد تلقت كل منها رصاصة في الرأس من مكان قريب.. وفي هذه الحالة لا يعرف على وجه الدقة أي خلاف أدى لمثل هذه المجزرة. فالمشهد مريع بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ، وكان يكفي لإحداث تحولات جذرية في بعض الدول، لكن في العراق، فإن مثل هذه المذبحة تعتبر من مقومات المشهد اليومي، وأكثر ما يخشى أن يعتقد العراقيون مع تكرار هذه المشاهد الفظيعة، أن السبيل الوحيد لحلحلة المشاكل هو التصفية الجسدية، بل أن يكون ذلك هو أول الحلول، ومن ثم يسعى الجميع إلى الوصول إلى ذلك الهدف، ومن الواضح أن الميت أو الخاسر هو من يتأنى في التصرف.
وفيما يتصل بالخلافات حتى داخل الحزب الواحد أو المجموعة الواحدة، فإنها بلا شك تضعف من صورة أي كيان، فهناك الآن خلاف حول الدستور بين الشيعة والأكراد من جانب والسنة من الجانب الآخر، غير أن هذه الخلافات لا زالت حتى الآن في طور النقاش وتبادل الآراء والحجج، وسيفعل المشاركون في هذا الجدل صنعا إن حافظوا على إدارة الخلاف بهذه الطريقة.
وحتى في الجانب السني هناك من يرى إمكانية التوصل إلى توافق حول نقاط التباين الأساسية المتمثلة في الفيدرالية والموقف من البعثيين، ومن ثم يصبح من الضروري من أجل الوصول إلى توافق عراقي كامل أن يتحقق التوافق أولا داخل الصف السني، على سبيل المثال، أي أن تتوحد مواقفهم قبل أن يواجهوا الجانب الآخر.
كما أنه من المهم، ما دام الأمر يتعلق بالدستور، وهو عنصر هام في البناء السياسي، أن يسعى الجميع إلى الاستعانة بالمزيد من الوقت من أجل المزيد من النقاش، وأن يسعوا إلى الإفادة من كل لحظة إضافية في تقريب وجهات النظر وتجاوز المصاعب التي لا تعتبر جوهرية، والتأمين على نقاط التوافق، باعتبار أنها قد تهيئ الأرضية المناسبة لتضييق الفجوة بين الفرقاء.