لم أختر هذا العنوان، إلا لأن الموضوع يتصل اتصالاً وثيقاً، بما خاضه (مصطفى صادق الرافعي)،وسبق إليه، رحمه الله،وكأن الصراع بين المحافظين والمجددين، أو المستغربين، بمعنى أكثر دقة، جزء من طبيعة الحياة، وسُنّة من سننها بين الأمم على حدٍ سواء، على امتداد التاريخ، في أوج القوة لأمة من الأمم، أو في منتهى ضعفها. قضيّة حيّة، ومشكلة أزلية، يلجأ إليها المحافظون من المفكرين بكل ما أوتوا من أسلوب، بأجندة مختلفة، كلما آنسوا من بني جلدتهم انجرافاً إلى كل ماهو وافد، وتشبث بكل ما هو وارد، دون إعمال فكر، أو وضعه على محكٍ معين. للأسف، نحن الشرقيين انجرفنا إلى حد الافتتان، كما يقول (إبراهيم عزام)،بكل مظهرٍ من مظاهر الحضارة الغربية، العلمي، والصناعي، والاجتماعي (فزلزل هذا الافتتان ايمان الإنسان الشرقي، وحيّر وجدانه، وأزاغ بصره، وغزا عقله وقلبه، حتى فصله عن ميراثه الثقافي، أو كاد، فأضلَ الشرقيون أنفسهم، فإذا هم أجساد تنبض بقلوب الغرب، وتفكر بعقوله.. وإذا هم بين عشية وضحاها مستسلمون لكل ما تطلع عليه، منقادون لكل ما تأمرهم به، متهافتون على كل ما اتصل بها، ثم إذا هم مقلدون أسوأ ما يقلد، يحتقرون أنفسهم وآباءهم، وميراث حضارتهم وتاريخهم). بالتأكيد فات علينا منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا ما الذي حري بنا أخذه من أولئك، وما الذي ينبغي نفيه ومحاربته، حتى ولو تعارض ذلك مع شهواتنا، أو نزعاتنا الماديّة، فمعيار الرقي، وقياس التقدم، يختلف كل الاختلاف عن غيرنا، وهذا ما يجب أن ننشره، مهما نالنا من نقد، حتى لا تصبح عقولنا أواني فارغة، وأجسادا مصطنعة، يحشوها الغير بما يشاء، ويطليها بما يريد، ونحن سادرون. مهما كان المستورد، ففي اعتقادي لن يكتب لنا النجاح في التخطيط لمعترك حياتنا، إلا إذا كانت من نتاج عقولنا، ومن صنع أيدينا، ومن وحي عقيدتنا، واستلهام تاريخنا، والاسترشاد بأدبنا، وبدون هذه الوسائل وتلك الأسباب، سنظل عاجزين عن اللحاق بغيرنا، وستظل التبعيّة العمياء فينا، قاتلةً روح الإبداع، ومناحي التجديد، ومجال الابتكار، باعثة فينا عوامل اليأس، زارعة فينا بذور الشك، ودافعة بنا إلى الاستسلام. لكل حضارة من الحضارات تراث تعتز به، وتتكئ على محتواه الأخلاقي والأدبي، وتسعى إلى تصديره وبسطه بكل ما أوتيت من وسيلة، ولم تتقارب القيم بين الشرق والغرب إلا في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية، وبلوغها أوج قوتها،مدعومة بقوى مختلفه، لكن قضت السنن الكونية، والحكمة الإلهية أن يبدأ سقوط الأمم حين تصل إلى قمة حضارتها، وتتمادى في ملذاتها، ما لم تتآزر القيم العلمية، والقيم المعنوية،التي تحافظ على الثبات، وتضمن النفوذ. ومن هنا يكمن السر في محاربة الإسلام لظواهر الترف، المجتلب من التقليد الأعمى، الذي التفت إليه (الرافعي)، بقوله: (إن الإسلام يكره لأهله أنواع الترف، والزينة، والاسترخاء، وغيرها من الملذات التي تؤدي في نهاية مطافها إلى سقوط أخلاق الأمة)، وهل بقاء الأمة أو ذهابها إلا مرتبط أشد الارتباط بأخلاقها؟ وليس للغرب حجة بما يصدر لنا سوى حجة التمدين.ينبغي ألا نغتر بالسبق العلمي، والتقدم التقني، وغيرها من الظواهر التي تتباهى بها بعض الحضارات، فليس يبقى منها سوى رصيد القيم، وثروة الأخلاق، فمنها يكون المنطلق لأي مشروع حضاري، وعليها يكون البناء لأي مشروع سيادي.أما أن ننتحل سلوك الغير، ونخلع لباسنا فذلك هو منتهى الخور، وفقدان العزة، والتخلي عن المبدأ، لأن الانفلات يفقد الحياة سمة الاستقرار، وينزع عن النفس صفة الاطمئنان، من الطبيعي أن يكون من دعاة التجديد أو المحافظة نماذج متطرفة، قد يصل الانكار أو التشبث حد الغلو والتطرف، ومخالفة الذوق العام، وقد يمارسون ألواناً من الإرهاب على من خالف، وبخاصة إذا تجاوز أيّ طرف حدود المسلّمات في ثقافة الأمم.
|