|
|
انت في
|
مما لا شك فيه بأن تأثير وسائل الإعلام والمرئية تحديداً على المجتمعات يزداد يوماً بعد يوم، نظراً لما يواكب هذه الوسائل من تطورات تقنية مذهلة، وتطويع هذه المخرجات لتحقيق أهدافها، وفق استراتيجيات منظمة، ووضع الخطط اللازمة ورسم السياسات المتبعة لما يخدم الصالح العام، أو بالأحرى التوجه اللائق للتفاعل مع المعطيات والمتغيرات المتلاحقة، إذ إن التوسع في المدارك لم يعد نمطاً يسهل احتواؤه وبالتالي فإن الانغلاق لن يبيت أوفر حظاً من حيث السيطرة والتحكم، فمسألة الاحتكاك مع الآخرين أمر يفرضه بطبيعة الحال التطور التقني.. من هذا المنطلق فإن من غير اليسير معالجة الآثار السلبية التي تنبثق غالباً من التأثر بما تطرحه الأطباق والأقراص وما إلى ذلك من فنون متقنة في مجال الاتصال وما تحتويه من غث وسمين وإن طغت الأولى على الأخيرة، خصوصاً إذا كان الوضع متعلقاً بالربح بغض النظر كيف يأتي، أي أن طغيان الجانب المادي أسهم وبشكل كبير في خلخلة القيم بضخ المواد المختلفة لمجرد الاستهلاك وكيفما اتفق، يضاف إلى ذلك التوغل في المشاعر من خلال محاكاة الأحاسيس بنبرة تميل إلى استثمار الممنوع، والقفز على الرغبة لتسويق الانتكاسات المتوارية خلف حمى الاستحواذ لاستقطاب أكبر عدد من إعلانات الشركات التي بدورها تشترك في تمرير ضياع الأخلاق، بمعزل من التحرز والتحوط حيال ما يبث في هذه القناة أو تلك، وقديماً كانت الأطباق تعد للأكل، أي للغذاء، وأضيف إليها في الوقت الحاضر دور لا يبتعد كثيراً عن الدور القديم، إلا أنه من الخطورة بمكان، أي أنه غذاء للفكر، فإذا كان الطبق الأول ينتهي بانتهاء الوجبة وغسله فإن الآخر لا ينتهي إلا بإطباقه على الأدمغة وغسلها بمحاليل لا ترتبط بحال من الأحوال بالتنظيف، بل إنها لا تبرح أن تترك بقعاً تستعصي عن الإزالة، ولا تلبث هذه البقع أن تتكاثر إلى أن تمتد آثارها السلبية لتخترق الأسرة، وقس على هذا المنوال حجم المفارقات بين ما يستقيه المتلقي من بيئة مختلفة وإقحامه في مجريات الواقع المختلف كلياً عن كينونته، وتكمن المعضلة في اختفاء الصبغة الحقيقية على ما تبثه الشاشات المختلفة وتصديقه، وقد يُعزى هذا الأمر إلى التصور الذي ما زال مرتبطاً بالأذهان، بأن ما يبث يخضع لإشراف ومراقبة وهذا ما كان في السابق واقعاً قبل أقل من عقدين وقبل انتشار هذه القنوات، إذ كانت القنوات الرسمية تحمل هذه المسؤولية واضعة نصب عينيها الأمانة في النقل ومخاطبة العقل بما يتسق مع الثوابت والأخلاق الفاضلة، بيد أن الوضع في الوقت الحالي اختلف لأن الحكومات ليس لها سلطان على هذه القنوات، وبالتالي فإن المسؤولية انتقلت وبشكل تلقائي من المسؤولين في الدولة إلى الفرد، أي أن الفرد يجب أن يعي بأنه المسؤول الأول في انتقاء ما يناسبه ويناسب أفراد أسرته وإثرائهم فكرياً ومعرفياً، والأهم من ذلك صيانة الأخلاق التي على ضوئها تستقيم الأسرة ويستقيم أفرادها، وقد يكون في تكاثر هذه القنوات التي تتوالد كالأرانب جانب إيجابي طبعاً لم يخطط له لأن الرياح قد تجري بما لا تشتهي السفن، ليصبح التشويش على بعضها البعض معياراً للتشتت وعدم التركيز، بل إن المصداقية تتوارى كما تتوارى أطنان مساحيق التجميل في الصباح الباكر، ولمواجهة هذه الصحون (والتباسي) يجب أن يهيأ البديل، بمعنى أن عناصر الجذب والتشويق ليست مرهونة بهذا التحايل العبثي، وحتى المشاهد إذا فرغ من (البحلقة) فإنه غير مقتنع لسبب بسيط، هو لإضافة عدم وجود البديل وهذا هو المهم، فهو بحاجة لمن يملأ وقت فراغه بمحاكاة مشاكله المختلفة بتلقائية، وهذا الجانب ربما أسهم وبشكل مباشر في تسويق بعض القنوات وطرقها هذا الجانب مضافاً إليه كمية لا بأس بها من خدش للمشاعر، ولعل الفضول والعناد وهما خصلتان دميمتان لهما الأثر البالغ في زيادة زبائن هذه (الدكاكين)، وكم أرهق الفضول العقول، وساقها من حيث لا تدرك إلى المصير المجهول، والسبب الثاني هو العناد، وهذه الصفة مرتبطة ارتباطاً وثيق الصلة بأكثر الناس، وكم أودى العناد بصاحبه إلى خانة النبذ والإبعاد، وكم صاغ ألحاناً حزينة لنهاية درامية لم تكن كذلك لو تمعن المعاند قول الشاعر: |
![]()
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |