|
|
انت في
|
كنت في مجلس عامر من مجالس الرياض في آخر الإجازة، وتناول الحاضرون قصص العشاق وتصرفاتهم الغريبة، وتحدثوا عن التكنولوجيا والفضائيات ورسائل الغرام في قنوات الرذيلة، وقلت لهم هل تعرفون أن العاشق القديم تمنى أن تكون له أجنحة كي يطير شوقاً لمحبوبته فقال (أسرب القطا هل من يعير جناحه.. لعلي إلى من قد هويت أطير) ماذا كان يعمل لو أدرك هذه الفضائيات والسيارات والطائرات والقطارات؟ وهل تتوقعون أنه يمضي جُلّ حياته من محطة إلى محطة ويطيل الوقوف أمام الخطوط والتذاكر وسبر أغوار الفنادق.. واستمر الحديث عن مثل هذه الأمنيات المستحيلة، وعرضت شيئاً من رواية سقف الكفاية لمحمد حسن علوان، وخيانة مها والجنون الذي أصاب عاشقها بمقتله وهي لا تستحق تلك الأعداد التي ختم بها الرواية فيما يخص الكلمات والحروف، نسأل الله العفو والعافية مع يقيني أنها لا تمثل واقعية المجتمع السعودي المحافظ، وتوقفوا معي عند جملة (لقد بدأ السعوديون يكتبون الرواية) مثلما استوقفتني عند أحدهم حكاية عشق فاضل، وهو شاب عراقي بسيط، هرب من الحصار الداخلي على يد البعث والحصار الخارجي بعد أزمة الخليج ليعمل راعياً للغنم في منطقة من مناطق الشمال قرب رفحاء بعد أن تجاوز الحدود بطريقة غير نظامية، وبعد سنة جمع مبلغا من المال ليكون مهراً لحبيبته، وقبل الرجوع للعراق، كان أوصى من يعمل عنده أن يحضر له حذاء أبيض (كعب عالي) من السوق وأعطاه الرقم المناسب فلما قرر الرحيل لوطنه وضع المال المجموع في حقيبة، ولف الحذاء في قطعة قماش ووضعها في تلك الحقيبة، وسار على رجليه تحت لهيب الشمس إلى العراق، وقبيل الحدود أدركته العيون الساهرة على مصلحة الوطن (الدوريات الحدودية) فخاف وهرب لأنه لا يحمل أوراقاً رسمية، وبسرعة نزع قطعة القماش على مرأى من الجميع وطوح بالحقيبة المملوءة بالمال، وأطلق ساقيه للريح.. تتبعه رجال الأمن وهم يظنون أنه يحمل محذوراً في تلك القطعة.. يا ترى لماذا ألقى الحقيبة المملوءة بالمال وهرب بتلك القطعة، هل هو سلاح أم قنبلة يدوية، أم مخدرات؟؟ وكثرت الأسئلة أثناء المطاردة الطويلة تحت لهيب الشمس وهو ينقلهم من سهل إلى مرتفع ومن مرتفع إلى سهل، وبعد أن أعياه الجري وألجمه العرق سقط مستغيثاً على الأرض وهو يحتضن قطعة القماش، نزعها رجال الأمن منه بقوة، فتشوها فوجدوا الحذاء الأبيض، صادروه فبكى بكاء حاراً وصرخ (يابا خذوا الجنطة فيها الفلوس، وخلو (الجزمة) هدية حبيبتي، تتمنى مثلها من قديم يابا) قالها باكياً. تصرف معه رجال الأمن برجولة وخلق رفيع احتراماً لتجربته الإنسانية وأنموذجه الاستثنائي.. تصوروا رجلاً فقيراً يرعى الغنم سنة كاملة، كم مرة أحرقته الشمس ولوعته الأيام والغربة وتجمد من البرد القارس.. وكم مرة تعرض لهجوم وتوبيخ من صاحب الغنم، وكلنا يعرف قيمة المال بالنسبة لشعب فقير محاصر، فما بال فاضل يضحي به من أجل حذاء!.. لقد تحدث القلب وسكتت كل الجوارح والظروف، وفي الحقيقة لم تكن الموازنة بين المال والحذاء بل بين نفسه وصاحبة الحذاء التي طاف من أجلها حتى وصل إليها فتمكنت من شغاف قلبه، كم مرة تذكرها في حزنه فتبسمت له الدنيا رغم أنف الظروف، وكم مرة زاره خيالها فأحس بالأهل والأنس يحفه رغم أنف الغربة، هي لم تكن سندريلا وهو لم يكن أميرها المتخم الذي يجلب الفتيات لمخدعه ليختار منهن ما يروق له؛ لأن فاضلاً سعى إليها في قبتها وشكا حاله للقريب والبعيد عندها لترحمه من عناء الشوق، وقدم من التنازلات والمواقف ما يشفع له في عينها، كتب الشعر والنثر وحفظ كل ما يحكي واقعه على لسان قيس وتوبة والمتنبي، والحذاء البسيط أيضاً لم يكن ذاك الحذاء الفخم في القصة التي ترويها الشعوب إذ يُحكى أن فتاة جميلة جداً اسمها سندريلا كانت مظلومة من امرأة أبيها، وأقام الأمير الشاب حفلا ليختار شريكة حياته، فحضرت الجميلات ولكن سندريلا منعتها امرأة أبيها من الحضور، فجاءت الساحرة وأعطتها ملابس وحذاء وأخذتها إلى بيت الأمير وطلبت منها العودة قبل الساعة 12 وتأخرت سندريلا قليلاً وبسبب استعجالها نسيت فردة من حذائها في مكان الحفل، وكان الأمير قد أعجب بها فأعلن من يناسبها الحذاء دون زيادة أو نقصان فهي شريكة حياتي. فتطاولت أقدام فتيات البلاد وكن يدخلن أقدامهن بالقوة، وحينما جاء خدم الأمير إلى البيت الذي تعمل فيه سندريلا حاولت الأم أن تُلبس الحذاء بنتها فلم تستطع وهناك طلبوا من سندريلا أن تحضر ماء، فطلب خدم الأمير من سندريلا أن تلبس الحذاء، فنجحت التجربة وتحررت سندريلا من عذاب الخدمة وشقاء المعاناة وتزوجت الأمير. |
![]()
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |