Saturday 3rd September,200512028العددالسبت 29 ,رجب 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

قلوب.. في الشمسقلوب.. في الشمس
عبدالله بن ثاني*

كنت في مجلس عامر من مجالس الرياض في آخر الإجازة، وتناول الحاضرون قصص العشاق وتصرفاتهم الغريبة، وتحدثوا عن التكنولوجيا والفضائيات ورسائل الغرام في قنوات الرذيلة، وقلت لهم هل تعرفون أن العاشق القديم تمنى أن تكون له أجنحة كي يطير شوقاً لمحبوبته فقال (أسرب القطا هل من يعير جناحه.. لعلي إلى من قد هويت أطير) ماذا كان يعمل لو أدرك هذه الفضائيات والسيارات والطائرات والقطارات؟ وهل تتوقعون أنه يمضي جُلّ حياته من محطة إلى محطة ويطيل الوقوف أمام الخطوط والتذاكر وسبر أغوار الفنادق.. واستمر الحديث عن مثل هذه الأمنيات المستحيلة، وعرضت شيئاً من رواية سقف الكفاية لمحمد حسن علوان، وخيانة مها والجنون الذي أصاب عاشقها بمقتله وهي لا تستحق تلك الأعداد التي ختم بها الرواية فيما يخص الكلمات والحروف، نسأل الله العفو والعافية مع يقيني أنها لا تمثل واقعية المجتمع السعودي المحافظ، وتوقفوا معي عند جملة (لقد بدأ السعوديون يكتبون الرواية) مثلما استوقفتني عند أحدهم حكاية عشق فاضل، وهو شاب عراقي بسيط، هرب من الحصار الداخلي على يد البعث والحصار الخارجي بعد أزمة الخليج ليعمل راعياً للغنم في منطقة من مناطق الشمال قرب رفحاء بعد أن تجاوز الحدود بطريقة غير نظامية، وبعد سنة جمع مبلغا من المال ليكون مهراً لحبيبته، وقبل الرجوع للعراق، كان أوصى من يعمل عنده أن يحضر له حذاء أبيض (كعب عالي) من السوق وأعطاه الرقم المناسب فلما قرر الرحيل لوطنه وضع المال المجموع في حقيبة، ولف الحذاء في قطعة قماش ووضعها في تلك الحقيبة، وسار على رجليه تحت لهيب الشمس إلى العراق، وقبيل الحدود أدركته العيون الساهرة على مصلحة الوطن (الدوريات الحدودية) فخاف وهرب لأنه لا يحمل أوراقاً رسمية، وبسرعة نزع قطعة القماش على مرأى من الجميع وطوح بالحقيبة المملوءة بالمال، وأطلق ساقيه للريح.. تتبعه رجال الأمن وهم يظنون أنه يحمل محذوراً في تلك القطعة.. يا ترى لماذا ألقى الحقيبة المملوءة بالمال وهرب بتلك القطعة، هل هو سلاح أم قنبلة يدوية، أم مخدرات؟؟ وكثرت الأسئلة أثناء المطاردة الطويلة تحت لهيب الشمس وهو ينقلهم من سهل إلى مرتفع ومن مرتفع إلى سهل، وبعد أن أعياه الجري وألجمه العرق سقط مستغيثاً على الأرض وهو يحتضن قطعة القماش، نزعها رجال الأمن منه بقوة، فتشوها فوجدوا الحذاء الأبيض، صادروه فبكى بكاء حاراً وصرخ (يابا خذوا الجنطة فيها الفلوس، وخلو (الجزمة) هدية حبيبتي، تتمنى مثلها من قديم يابا) قالها باكياً. تصرف معه رجال الأمن برجولة وخلق رفيع احتراماً لتجربته الإنسانية وأنموذجه الاستثنائي.. تصوروا رجلاً فقيراً يرعى الغنم سنة كاملة، كم مرة أحرقته الشمس ولوعته الأيام والغربة وتجمد من البرد القارس.. وكم مرة تعرض لهجوم وتوبيخ من صاحب الغنم، وكلنا يعرف قيمة المال بالنسبة لشعب فقير محاصر، فما بال فاضل يضحي به من أجل حذاء!.. لقد تحدث القلب وسكتت كل الجوارح والظروف، وفي الحقيقة لم تكن الموازنة بين المال والحذاء بل بين نفسه وصاحبة الحذاء التي طاف من أجلها حتى وصل إليها فتمكنت من شغاف قلبه، كم مرة تذكرها في حزنه فتبسمت له الدنيا رغم أنف الظروف، وكم مرة زاره خيالها فأحس بالأهل والأنس يحفه رغم أنف الغربة، هي لم تكن سندريلا وهو لم يكن أميرها المتخم الذي يجلب الفتيات لمخدعه ليختار منهن ما يروق له؛ لأن فاضلاً سعى إليها في قبتها وشكا حاله للقريب والبعيد عندها لترحمه من عناء الشوق، وقدم من التنازلات والمواقف ما يشفع له في عينها، كتب الشعر والنثر وحفظ كل ما يحكي واقعه على لسان قيس وتوبة والمتنبي، والحذاء البسيط أيضاً لم يكن ذاك الحذاء الفخم في القصة التي ترويها الشعوب إذ يُحكى أن فتاة جميلة جداً اسمها سندريلا كانت مظلومة من امرأة أبيها، وأقام الأمير الشاب حفلا ليختار شريكة حياته، فحضرت الجميلات ولكن سندريلا منعتها امرأة أبيها من الحضور، فجاءت الساحرة وأعطتها ملابس وحذاء وأخذتها إلى بيت الأمير وطلبت منها العودة قبل الساعة 12 وتأخرت سندريلا قليلاً وبسبب استعجالها نسيت فردة من حذائها في مكان الحفل، وكان الأمير قد أعجب بها فأعلن من يناسبها الحذاء دون زيادة أو نقصان فهي شريكة حياتي. فتطاولت أقدام فتيات البلاد وكن يدخلن أقدامهن بالقوة، وحينما جاء خدم الأمير إلى البيت الذي تعمل فيه سندريلا حاولت الأم أن تُلبس الحذاء بنتها فلم تستطع وهناك طلبوا من سندريلا أن تحضر ماء، فطلب خدم الأمير من سندريلا أن تلبس الحذاء، فنجحت التجربة وتحررت سندريلا من عذاب الخدمة وشقاء المعاناة وتزوجت الأمير.
قطعاً من يعرف قيمة ذاك الشعور الإنساني لا يمكن أن يقبل ما يُعرض في فضائيات الخنا والفجور من رسائل هيام وشوق وحب وتضحية بين كائنات لا تعرف بعضها بعضاً ولم يحرك شعورها إلا الجنس والرذيلة بعيداً عن الحب العذري والمعاني السامية للغة القلوب الحية التي ما زال يحتفظ صاحبها بزجاجة عطر فارغة منذ ثلاثين سنة قال العاشق إنها مفعمة بذكرى حبيب خائن لأنه مات وهو في ذروة الحاجة إليه، أولئك لا يدركون أن الحب أصله من الصفاء، ذلك أن العرب تقول في صفاء بياض الأسنان ونضارتها (حبب الأسنان)، وقيل مأخوذ من الحباب وهو الذي يعلو الماء عند المطر الشديد تشبيها للقلب بما يحس به من لهفة لرؤية المحبوب، وقيل مأخوذ من الثبات والالتزام يقال أحب البعير إذا برك ولم يقم، لأن الحب التزام وعهد وميثاق، وقيل مأخوذ من الاضطراب والقلق، ومنه سمي القرط حبا لاضطرابه في الأذن، وقيل مأخوذ من الحب جمع حبة وهي لباب الشيء وأصله إشارة إلى أن القلب مستودع الإنسان ولبه.
القضية ليست حذاء وليست زجاجة عطر، بل هي أكبر من ذلك.. إنها باختصار التقلب شوقاً في الفراش يميناً وشمالاً، حتى الصباح كأطول ما يكون الليل على إنسان، والبكاء لأي منظر أو أغنية أو حديث أو موقف أو مسلسل، إنه مصادرة الرغبة في الاستمرار بالحياة دون المحبوب، ليس على طريقة أولئك الذين يعيش في قلوبهم أكثر من محبوب حتى أصبحت قلوبهم فنادق للنزلاء الطارئين أو الذين يعيشون بمئات القلوب لا تستقر على حال.. إن القلوب السليمة هي التي تكون قبراً واحداً لا يضم أكثر من جثمان، والقلوب العابثة هي عبارة عن مقابر جماعية يدفن فيها المئات على يد دكتاتور ومستبد، أتدرون أن الوفاء أيها العشاق منح عزة وكثير وقيس وليلى وجميل وبثينة وغيرهم الخلود في الدنيا من مئات السنين؟.
لا أدري لماذا تذكرت رواية غسان كنفاني (رجال في الشمس) حينما قررت أن يكون عنوان قصة فاضل (قلوب في الشمس)، ربما لأن القاسم المشترك بينهما البحث عن عمل خارج الحدود والخوف من محطات العبور الأمنية ورجالها والمطاردات والهروب ثم الانصهار تحت الشمس، رجال في الشمس (هي الرواية الأولى للكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، والراية تصف تأثيرات نكبة فلسطين سنة 1948 على الشعب الفلسطيني من خلال أربعة نماذج من أجيال مختلفة، والمؤلم فيها طريقة الموت على الحدود التي مات بها الثلاثة الهاربون من الجحيم إلى الجحيم إذ اتفق أبو الخيزران معهم أن يبقى اثنان فوق الخزان ويجلس معه الثالث، وهكذا بالتبادل طوال الطريق في صحراء مثل قطرة زيت ثقيلة فوق صفيحة قصدير متوهجة.. كانت الشمس ترتفع فوق رؤوسهم مستديرة متوهجة براقة، ولم يعد أحد منهم يهتم بتجفيف عرقه، ترسل شمسها شواظاً من لهيب قاتل، وقبل أن يصلوا إلى نقطة الحدود بخمسين متراً يدخلون الخزان، وعليه أن ينهي الإجراءات فيما لا يزيد على سبع دقائق ثم يسرع بالسيارة ليخرجهم من الخزان بعد 50 مترا من نقطة الحدود. وتنجح الخطة في نقطة الحدود العراقية، وعند الاقتراب من نقطة الحدود الكويتية يستعدون لاخذ ما يسميه (أبو الخيزران) بالحمام التركي، ويطلقون عليه جهنم، لكن موظفاً عابثاً يعطل (أبا الخيزران) ويصر أن يحكي له السائق حكايته مع الراقصة العراقية (كوكب) التي تحبه كما حكى له الحاج رضا (!!).. ورغم المفارقة المؤلمة في الحكاية الخيالية فإن تلك الأكذوبة تكون السبب في موت الثلاثة انصهاراً في خزان المياه بسبب تأخر (أبي الخيزران) عليهم. والمؤلم أن أبا الخيزران القى جثثهم في مزبلة بعد أن جرد الموتى من كل شيء.. ويتساءل لماذا لم يدقوا الخزان حينما شعروا بالانصهار؟ وأنا أيضاً أتساءل لماذا هرب فاضل بالحذاء فقط؟ والله من وراء القصد.

* الإمارات العربية المتحدة

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved