في زمن ماض، قبل عهدنا بالكهرباء، كنا نسكن في بيوت بنيت لتوائم تقلبات المناخ من حرّ إلى قرّ، وكانت الحياة وادعة هينة، يتكيف فيها الإنسان مع ظروفه بعامة، ومنها الإضاءة في السكن وحيث العمل والشارع.. إلخ. * وحين دخلنا في عصر الكهرباء، تغيرت المنشآت لتكون على نمط الأسمنت المسلح أعمدة وسقوفاً ونوافذ مغلقة في أكثر الأحيان، وفي هذا السكن والمكاتب والأدوار العالية، اعتمد على الكهرباء إضاءة وتبريداً ووسائل الصعود عبر المصاعد، كما هي الحال في العالم المتقدم الذي أخذ من الارتقاء بنصيب وافر. * إذاً فالكهرباء اليوم في حياة الأمم والشعوب وسيلة ضرورية في كل حركة الحياة النامية والمتطورة، ليس فقط في سبل السكن والعمل، وإنما في الصناعة والزراعة وكل أنماط الحياة العامة والخاصة. والأمم التي اعتمدت على التيار الكهربائي في حياتها كلها، لم تعد تفكر أو تظن أنها سترجع إلى الوراء في شيء من حياتها المتجددة الدائبة التي تمضي إلى الأمام في كل شيء. * وإذا توقفت الكهرباء فجأة، فهذا يعني أن خللاً قد حدث لم يحسب له حساب مسبق، وهذا الخلل الطارئ له أضراره، لعل أقله أن تختل حركة الحياة ولو جزئياً في مناح من المدينة، أي مدينة كبرت أم صغرت، وهذا ما ينبغي ألا يكون، وإذا وقع في المدن الكبرى وهو نادر ولدقائق فسرعان ما يتلافى ولا يتكرر إلا في عشرات السنين؛ لأن الكهرباء أصبحت في قلب حياة الناس في كل مكان، وأنهم حرصاء على ألا يحدث ما يؤدي إلى أي عطل فيها، وهم كذلك يؤدون تكاليف ما يستهلكونه في منازلهم ومكاتبهم ومصانعهم ومستشفياتهم.. إلخ، مهما كانت أقيام وأثمان ما تأتي به الفواتير. * ولو كانت الحال في الكهرباء مثل الماء، الذي يسيره إلى الخزانات في الأسطح في كل بيت وعمارة بعامة. لو كان في الإمكان أن يتاح لكل ذي سكن أن يعتمد على (ماتور) صغير مثل دينمو دفع الماء لهانت الحال، ولما شكا الناس من شركة الكهرباء ومؤسساتها، لأنهم يملكون حلولاً بديلة، غير أن هذا النمط غير متاح وغير ممكن. * ولقد كتبت قبل سنوات، كان التيار الكهربائي ينقطع أحياناً في بعض أيام السنة، كتبت في هذه الصحيفة مخاطباً مؤسسة الكهرباء في جدة، أن تمارس تواصلاً مع الأمانة والبلديات بألا تمنح تراخيص بناء في أماكن التيار فيها لا يسمح بالمزيد من الاستهلاك حتى تتم تقوية وإضافات أخرى تحقق متطلبات التوسع. وجاءتني رسالة من مدير عام الشركة أن عدم منح التيار لطالبه غير ممكن؛ ولعل ذلك هو ما قاد ويقود إلى انقطاع التيار عن شرائح من المشتركين في جدة في مناطق شتى ومختلفة. وأصبح المشترك في ضائقة من الحر في تلك الصناديق المغلقة، أعني الشقق وما إليها، ليس هذا فحسب، وإنما مخزون الناس من لحوم وأسماك وفواكه وخضار قد تلف، وربما أن وسائل أخرى تتغذى بالكهرباء عرضة للتلف مثل المكيفات والفريزرات وأمثالها. * ولعل الإنسان في الشارع يقول في تساؤل: مسؤولية من؟ ثم يعود ليردد: مسؤولية وزارة المياه والكهرباء، وما يتبعها من مؤسسات وشركات تمنح التيار وتحصل تكاليف الاستهلاك بلا تهاون ولا إبطاء. * وأكبر الظن أن معالي وزير المياه والكهرباء يسيئه هذا الخلل المضني الذي حدث ويحدث في هذه الأيام، أيام القيظ، وأن الكهرباء اليوم في حياة الناس ليست ترفاً ولا من الكماليات، ولكنها ضرورة لا غنى عنها! * ولعله من المستغرب أن يحدث في أمة تلحظ التطور والارتقاء في حياة الشعوب المتقدمة، ويقال أو يتحدث إنسان منا بتلقائية، إن الكهرباء في بلاده تنقطع بالساعات الطوال، ويحدث ذلك أضراراً وضيقاً لا يطاق، وشركة الكهرباء والوزارة في صمت مخيف. أنا لا أسال عن الأسباب في انقطاع التيار بالساعات في جدة، وإنما أقول: لماذا يحدث ذلك، إذا كنا ذوي حسابات واحتياطات في فائض الطاقة، وأننا ننكر أن نسمع أو يقال إن التيار ينقطع، ويحدث هذا الانقطاع أضراراً، ثم لا يجد المواطن والمقيم معاً اعتذارا، أو حتى استعدادات بالتعويض عن الأضرار، لأن ضياع الحق في حياة الناس شيء لا يمكن أن يكون له مبرر، وأن المحاسبة على التقصير واردة وعلى أعلى المستويات، لأن الخلل تفريط في أولويات المسؤولية، وأنه من العيب، أن تسير الأمور، يحكمها صمت مرفوض، لأن الإضرار بمصالح الناس منطق غير سويّ، ولا يقبله الحريص على أداء واجباته وأماناته بحق، والتقصير في خدمة مثل الكهرباء يؤدي إلى سوء التعامل وعدم تقدير مصالح الناس وحقوقهم على الجهة التي تخل بمسؤولياتها، وهي وحدها تتحمل تبعات كل ما يترتب من ضرر صغر أو كبر!.. فما عسى أن تقول وزارة المياه والكهرباء في هذه القضية، التي لا تنم عن حرص وتحمل وأداء المسؤولية بلا تلمس أعذار لا محل لها من الإعراب!
|