من حق باكستان أن تقيم علاقات مع مَنْ تشاء فهذا حق سيادي مكفول لكل دولة، وينطبق ذلك على التطورات الخاصة بالتقارب بين باكستان وإسرائيل الذي تقول إسلام أباد إنه يتم على ضوء الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة باعتبار أن هذا الانسحاب خطوة في طريق السلام، غير أن إسرائيل ذاتها لا تقدم دليلاً على أن هذا الانسحاب هو كذلك لأنه لو كان كذلك لرأينا أو لسمعنا من إسرائيل ذاتها أن خطوة مماثلة ستتم في الضفة الغربية.. وعلى العكس من التوقعات فإسرائيل أكدت أكثر من مرة قبل الانسحاب وأثناءه وبعده أنها لن تنسحب من مساحات كبيرة من الضفة الغربية وهي تلك المساحات التي يقوم عليها ما يعرف بالكيانات الاستيطانية الكبرى التي تضم ما يزيد على 250 ألف مستوطن علاوة على احتفاظ إسرائيل بالمساحات التي يتلوى عليها السور العازل، ونخلص من ذلك بأن جل مساحة الضفة باتت تحت السيطرة الإسرائيلية، ومن ثم فمن الصعب القول إن دولة فلسطينية ما ستقوم على فتات من الأرض في الضفة معزولة عن جزئها الآخر في غزة.. وانطلاقاً من ذلك فإن إسرائيل تكذب بشكل واضح من خلال تصوير انسحابها الجزئي على أنه يأتي في إطار التسوية، فالانسحاب في حقيقته هو تلبية لاعتبارات أمنية إسرائيلية خاصة تتمثل في فشلها في السيطرة على الانتفاضة الفلسطينية المتنامية في غزة التي قارعت إسرائيل الطلقة بالطلقة والهجمة بالهجمة المضادة بحيث بات الاحتلال ينظر إلى تواجده في غزة على أنه أمر مكلف وأنه من الأفضل له مغادرة هذا القطاع المتفجر؛ ومع ذلك فمع هذا التقهقر الإسرائيلي (والانتصار الفلسطيني في ذات الوقت) فقد أرادت إسرائيل أن تجني ثمناً سياسياً من خطوتها من خلال تصوير الانسحاب على أنه خطوة في طريق السلام وهي بذلك أتاحت للباحثين عن ذرائع لإقامة علاقات معها ما يشجعهم على التمسك بهذه الفرية ومن ثم التقدم على طريق إقامة العلاقات، وفي الشأن الباكستاني الإسرائيلي هناك عناصر أخرى عديدة تدفع إلى هذا التقارب، فهناك التنسيق الأمريكي الباكستاني الوثيق عسكرياً وسياسياً وهو يتم بالترغيب والضغوط، وتبرز في تفاصيله تعقيدات الوضع الإقليمي وخصوصاً العلاقات الهندية الباكستانية والدور الأمريكي في هذه العلاقة، وينحو هذا التنسيق في مجمله إلى تحقيق تقارب بين الجانبين يرقى إلى إدماج إسلام أباد في كامل الرؤية الإستراتيجية الأمريكية للمنطقة ومن ثم تأمين كل عناصر هذا التصور بما يمكن أن يزيل أي تناقض في هذه الرؤية بما في ذلك إيلاء الاهتمام إلى مسألة وجود إسرائيل في قلب هذا التصور الأمريكي.
|