في مثل هذا اليوم من عام 1953 استقال وزير الداخلية الفرنسي فرانسوا ميتران من منصبه احتجاجاً على السياسة الفرنسية تجاه المستعمرات الفرنسية. وكان ميتران في البداية يعارض أي محاولة لفصل فرنسا عن المستعمرات وبخاصة الجزائر التي كان يراها جزءاً لا يتجزأ من فرنسا ولذلك فإنه عارض منحها الاستقلال وكان يؤيد منح الجزائريين الجنسية الفرنسية وكافة حقوق المواطنة. ولكن تطورات الأحداث في الجزائر واشتداد ثورة التحرر الوطني التي كبدت الفرنسيين خسائر ضخمة ودفع الجزائريون فيها مليون شهيد أجبرته على تغيير موقفه وأصبح من المنادين باستقلال الجزائر. وكان فرنسوا ميتران منذ البداية يسعى إلى الابتعاد عن الخط اليميني الوسط الذي دشنه الزعيم الفرنسي الأهم شارل ديجول بعد الحرب العالمية الثانية فتبنى ميتران الفكر الاشتراكي. واستطاع قيادة الاشتراكيين إلى حكم فرنسا عام 1981 حيث أصبح فرانسوا ميتران رئيسا لفرنسا بعد سنوات من حكم الديجوليين. واستمر ميتران في قصر الإليزيه مقر الرئاسة الفرنسية 14 عاما. فرانسوا ميتران كان وزيراً للداخلية ما بين عامي 54 و55 كان مناهضاً لاستقلال الجزائر، كباقي الطبقة السياسية الفرنسية، إن أكثرهم تقدمية كان يؤيد فكرة منح الجنسية الفرنسية للجزائريين، ولعل هذا ما كان يطالب به بعض القادة الجزائريين مثل فرحات عباس قبل الاستقلال، إذ لم ينزعج من موقف (فرانسوا ميتران) ، الذي لم يختلف عن موقف الطبقة السياسية في فرنسا عام 54، إلا أنه سرعان ما أصبح يساند حركة الاستقلال في الجزائر ويكرّس جان بيير شوفنمان العديد من صفحات كتابه (تحديات جمهورية) للحديث عن علاقته بالرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، رفيق دربه لسنوات طويلة. حيث كان من العناصر الفاعلة في الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية عام 1981 التي وصل فيها ميتران إلى سدة الرئاسة ليبقى رئيساً للجمهورية الفرنسية مدة أربع عشرة سنة. وقال عنه جان بيير شيفنمان أحد أكثر الشخصيات اقتراباً منه منذ أسساً معاً الحركة الاشتراكية في الجمهورية الفرنسية الخامسة أنه كان مؤمناً حقيقة بالحرية التي يتعامل فيها حيال العادات الشائعة وكان يمنح الآخرين أيضاً الحرية نفسها، فكل إنسان له الحق في أن يعيش حياته. كان يزرع سندياناته ويربي حيواناته ويستقبل حول مائدته أناساً بسطاء غريبين، ولم يكن يكلف نفسه عناء تقديمهم للآخرين باختصار أقام مع الحقيقة علاقات معقدة جداً.. لكنه يؤكد بالمقابل أن (سياسة الحقيقة) لم تكن تسعفه كثيراً.. بل إنه كان مثل رجال السياسة الذين يشكل (الكذب عبر عدم قول كل شيء) خبزهم اليومي، قد مارس ذلك وارتقى إلى (مستوى الفن) . ذلك أنه (كان يعرف كيف لا يأخذ من الحجج إلا ما يكون ضرورياً جداً من أجل الإقناع بوجهة نظره) . ومن هنا بالتحديد جاءت شهرته بأنه (مولع بالسر) .
|