سألني ذات مرة الدكتور عبد العزيز بن صالح بن سلمه أستاذ الإعلام في كلية الآداب بجامعة الملك سعود: (هل كان ثمت صراع في مجلس إدارة مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية)..؟ وجاء سؤاله هذا (بعد) إلقائه الورقة التي شارك بها في يوم تكريمي من قبل النادي الأدبي بالرياض؛ يوم 13 رمضان 1423هـ وكانت بعنوان: (.... ابن إدريس صحفياً). ولو أن الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن سلمه سألني هذا السؤال قبل إعداد ورقته تلك.. لأخبرته.. بنوعية وماهية ذلك الخلاف الخفي والمغلف بالعبارات المؤدبة المهذبة.. التي لا تظهر الخلاف جلياً احتراماً للشيخ الجليل المؤسس محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله -. إلا أن أجْهَرَ تلك المواقف التي يعبر عنها - تجاوزاً - بالصراعات.. ليست إلا مجرد اجتهادات واختلاف في وجهات النظر.. يدفع إليها التخوف مما ستكون عليه الصحيفة.. هل ستكون وَرِيْثَةً لمجلة (الراية) التي صدرت قبل ذلك.. وصدرت منها أعداد محدودة.. ثم أدركها مرض الكساح الذي ولدت به فماتت...؟. أم ستكون صحيفة مغايرة.. وتولد ولادة طبيعية وتكتب لها الحياة وطول البقاء..؟! كان هذا لُبّ التوتر والخلاف - على قلته - في مجلس الإدارة الذي لم تكن خلافاته الطبيعية إلا مجرج توجس وحذر.. قبل الصدور المرتقب.. وذلك لسببين: السبب الأول: رفضي وإصراري على عدم قبول ما سموه (المستشار الصحفي لرئيس التحرير) وهو كان غير سعودي.. وما كان رفضي له إلا لسبب وجيه جداً وهو الغيرة على سمعة أبناء وطني.. ذلك أن أي نجاح للصحيفة إذا تحقق سينسب إلى ذلك المستشار.. وقد قالها أحد أبناء وطنه عندما سمع بالفكرة.. (نعم.. نعم.. فلان سيصدر لكم صحيفة تبيض الوجه).. ولو حصل إخفاق - لا قدر الله - فسينسب إلى رئيس التحرير والعاملين معه فيحصد المستشار الغنم؛ ونحصد نحن الغرم. السبب الثاني: أن بعضاً من أعضاء مجلس الإدارة.. قالوا لي في آخر جلسة من جلسات المجلس قبل بداية الصدور (ترانا يا أخ عبد الله نبيها إسلامية 100%) وهم يعنون أن تكون دينية محضة.. فقلت لهم أبشروا انها ستكون كذلك - إن شاء الله - ولكن بصفة مغايرة لما في أذهانكم.. وسترون فيها ما يرضيكم.. ويرضي القراء على اختلاف مشاربهم وميولهم.. ستكون صحيفة منفتحة وشمولية؛ وذات هامش كبير في حرية الرأي التي لا تتنافى مع عقيدتنا وشريعتنا ولا مع سياسة الدولة كذلك.. وهي بهذا المفهوم ستبقى إسلامية (مائة في المائة)! وإذا رأيتموها انحرفت - لا قدر الله - عن الخط الذي يجب أن تكون عليه في خدمة الإسلام.. والإسهام في توعية المجتمع.. وما يحقق أهدافها التي أنشئت من أجلها.. فقولوا لي : (يا فلان مع السلامة)! سكت البعض على هذا الرهان المجهول.. إلا أن أحدهم رد بدعوة صالحة (أعانك الله وجعل التوفيق حليفك) قلت آمين، وهذا ما أحتاج إليه دائماً. وكانت هذه الدعوة الطيبة خاتمة طيبة لآخر جلسة تسبق صدور الصحيفة بأسبوع واحد.. لا يستغرب أن تكون جلسة متوترة.. فهذا طبع ولادة العمل الجديد.. وقد تنفسنا الصعداء جميعاً بعد أن صدر العدد الأول منها في 10 محرم عام 1385هـ. وجاء في تقديرنا الذي عضدته تقديرات من جهات وشخصيات مهمة كثيرة - أننا قد وضعنا أقدامنا على أول درجات سلم النجاح الذي ينتظره الكثيرون.. وبخاصة المتطلعون للمستوى الذي ستكون عليه (الدعوة) شكلاً ومضموناً.. حيث اعتادوا على أن أغلب الصحف والمجلات التي يغلب عليها الطابع الإسلامي.. تكون جامدة؛ ومحدودة الرأي والفكر.. ولا تعنى بشمولية الحياة الدينية والدنيوية.. في المجتمع الذي تصدر فيه. لذلك قال عنها - مثلاً - الدكتور عبد العزيز الخويطر (لقد فاجأتنا الدعوة بما لم يكن في حسبان أحد. حتى ان العنوان الرئيسي للصفحة الأولى.. كان عن (قرارات مؤتمر الأوبك تعلن اليوم). وهو يعني أن هذا الموضوع سياسي، واقتصادي.. فكان مستْبعداً ان تتطرق إليه صحيفة هدفها الأساسي الدعوة الإسلامية.. نعم هدف الدعوة الصحيفة.. الدعوة إلى الله.. والدعوة إلى الله ليست في أداء العبادات.. وفعل الواجبات وترك المحرمات فحسب.. فالإسلام أوسع وأشمل من هذه الرؤية الضيقة بكثير. ولعل هذه الصحيفة قد ترجمت - إلى حد كبير - الرؤية الإسلامية (الوسطية) المنفتحة على آفاق الحياة من المنظور الإسلامي الشامل وفق مقولة (دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه) ولعل الجرأة التي نشأت عليها منذ البداية كانت عامل جذب لمتابعتها والاستئناس (بأطاريحها) لدى المجتمع (القارئ) الذي ليس كبيراً وكثيراً فيما قبل (أربعين سنة)، حيث كانت الأمية حينذاك هي الغالبة.. وكانت مهمة ومسؤولية الكتَّاب التوعويين أو التنويريين اصعب مما هي عليه اليوم.. ولكل زمان دولة ورجالها..!
|