الانتخابات شكل من أشكال الديموقراطية التي يمارسها قليل من الشعوب؛ وقد عرف الغربيون الانتخابات ومارسوها عملياً وشكلياً عشرات السنين، وعرف العالم العربي الانتخابات وأشكالها، تدريجياً، ونتيجة للسقطات التي وقعت فيها الشعوب العربية من انهزامات داخلية، وخارجية، ولَّدت حالة الانبطاح التي تحياها الآن، جعلت من الانتخابات شكلاً بلا مضمون، وآمنا جميعاً بنظرية المؤامرة والتزوير. وقبل عامين تقريباً، وجهت الولايات المتحدة الأمريكية بوقاً سياسياً نحو الشرق تدعو من خلاله إلى الإصلاح، من دون تعريف هذا الاصطلاح المُسمى بالإصلاح الذي تطالب الدول العربية أن تقوم به. اتهمت العراق بأنه يمارس كل أشكال الديكتاتورية من قِبل النظام الحاكم، وأنه يدعم الإرهاب الذي تعرَّضت له الولايات المتحدة، ومن ثمَّ يجب إصلاح الوضع القائم في العراق، وكانت الحرب التي راح ضحيتها المئات، ثم لمَّا وجدت أنها قد نحت ناحية خاطئة استفاقت على وهم اصطلاح (الإصلاح)، ووقعت في مأزق يُسمى الحرب على العراق من دون سبب مقنع.. وراحت وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس تقوم بجولات مكوكية بين الدول العربية، وتقيِّم عملية الإصلاح في كل بلد على حدة، وكأنها تقوم بزيارات تفتيشية على هذه الدول، وتعاملت مصر مع هذه الموجة التي اعتلتها الولايات المتحدة الأمريكية بحنكة واقتدار، فقامت بالسماح للمظاهرات أن تجوب شوارع العاصمة (القاهرة)، وغيرها من المحافظات أيضاً، بل وإتاحة الفرصة لأكثر من مرشح يتنافس حول المقعد الرئاسي المصري، وأمسك الرئيس المصري باقتدار شديد دفة التحركات السياسية في مصر وفقاً للمسموح به قانوناً، لكن من قام بترشيح نفسه أمامه، هم أناس لا يمتلكون الشعبية ولا القبول اللذين يمتلكهما مبارك، بالإضافة إلى السقطات التي نالت بعض المرشحين أمام ناخبيهم، وبثتها الفضائيات أيضاً، كل هذا جعل الظاهرة الانتخاباتية في مصر تمضي وفقاً لأهواء النظام الحاكم أيضاً، حتى وإن ظهرت بعيداً من خشبة المسرح، وبقيت في الكواليس تدير العملية بخيوط لا يراها الجمهور المتفرج. أما على المستوى الشعبي (الجمهور)، فهل الانتخابات تهم المواطن المصري الآن على وجه الخصوص؟، في ظل ارتفاع الأسعار المتلاحق، والبطالة، وقانون الطوارئ، والأحداث العادية اليومية التي يمر بها المواطن من معاناة ماراثونية بين المواصلات وطابور الحصول على الخبز، وبداية العام الدراسي الجديد الآن همّ يؤرق آباء التلاميذ، وكل عام نقرأ عن انتحار أب لم يستطع الوفاء بمتطلبات أُسرته واحتياجات المدارس، هذه الشريحة الكبيرة جداً من المجتمع المصري، هل هذه العملية الانتخاباتية داخلة في وعيه؟ أعتقد أنه لا يعيرها اهتماماً أكثر من متابعة الأحداث في التليفزيون أو الصحف اليومية، أثناء دورة العمل التي يوفر منها بالكاد قوته وأُسرته. ممارسة الديموقراطية تحتاج إلى حد معين للحياة يكون بالضرورة فوق خط الفقر لكي تمارس بشكل جدي وفعَّال، لا تحتاج إلى وعود لم يتم تنفيذ أقلها خلال عقود.. ممارسة الديموقراطية تحتاج أولاً إلى القضاء على الفساد الإداري، والإصلاح الداخلي من تعليم وصحة ونقل ومواصلات وباقي البنى الأساسية التي يتعاطى معها المواطن يومياً، ومن دون انقطاع. الظاهرة الانتخاباتية ظاهرة ولّدت حالة من التنفيس لدى المواطنين المصريين سواء في الداخل أم الخارج، ويحسب للنظام المصري الحاكم هذه المساحة من التنفيس، كذلك توقيت الوقت المحدد للانتخابات في السابع من (أيلول) - سبتمبر 2005 قبل بداية العام الدراسي بأسبوع تقريباً، وقبل حلول شهر رمضان الذي ينشغل فيه المصريون بالصيام.. وربات البيوت يحرصن على الجلوس أمام التليفزيون لمشاهدة قطار المسلسلات الذي لا تتوقف عرباته أبداً، والمواطنون العاملون سيواصلون العمل بعد الإفطار مباشرة، مما يعني انشغال المواطن المصري سريعاً بعد إعلان النتيجة المعروفة مسبقاً، ليعود من جديد ليمارس حياته بشكل طبيعي جداً، وليؤجل كل مخاوفه وتطلعاته من التغيير ليبقى مبارك رئيساً لمصر أو كما سمّاه كثير من المصريين (صمام الأمان) لمرحلة الهياج الدموي العالمي التي تعاني منها العراق وفلسطين.. الانتخابات المصرية إشكالية في إمكانية ولادتها على أرض الواقع بأنموذج مثالي، لأن هذا يتطلّب بدوره ظروفاً مغايرة تماماً لما يحياه المواطن المصري الآن، وتطبيق الديموقراطية يتطلّب مطّاً للكلمة حتى تستوعب جميع هذه الظروف والعقبات التي تقف حجر عثرة أمام تطبيق فعالياتها الحقيقية.. الولايات المتحدة تضغط على الشعوب العربية للإصلاح، والشعوب تحركها قوى الظروف المعيشية الصعبة فتضغط على أنظمتها للإصلاح، لكن قبل أن نطالب بالإصلاح، لا بد أولاً من البحث عن تعريف جامع مانع لهذه الكلمة حتى لا تصير مطاطية المضمون، وعلى كل الأحوال فالتغيير حتماً قادم، وكما قال علماء النفس إن الإنسان تتملّكه قوة هائلة عند الشعور بالموت.
|