لا يجب على دمشق أن تلوم إلا نفسها، نظام البعث هو الذي جلب على سوريا الهموم الكثيرة، في الفصل الخامس من المسرحية التي تحمل اسمه، يقول ماكبيث: (كل أخطائنا أضاءت للأغبياء). ماكبيث، الذي قتل مرتزقاً وفقد كل أصدقائه - بقي وحيداً في قصره، وبدأ يعترف بذنبه، ويدرك أن قدره قد حُسم. وهنا، على بعد آلاف الأميال من اسكتلندا، يجلس في دمشق زعيم مشابه: وحيد، مُبعد وهو لا يستطيع أن يلوم إلا نفسه أيضاً. كانت قضية مقتل رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري، الخطأ الأخير في سلسلة أخطاء امتدت لعشرات السنين، فضلت فيها سوريا تقديرات قصيرة الأمد على إستراتيجية حكيمة. الاعتماد على الاتحاد السوفييتي، والتحالف مع إيران، ودعم الإرهاب الكردي، وحتى التورط في الوحل اللبناني كانت خطوات تكتيكية. إلا أن النجاح المحدود لهذه الخطوات منع قادة سوريا أن يروا الصورة العالمية والإقليمية بمختلف أبعادها، وأن يميزوا أن العالم يتغير تغيرا سريعا. وكانت لسوريا عدة فرص للهرب ولكنها ضيعتها بموهبة كبيرة. في مطلع التسعينيات، إثر تأييدها للولايات المتحدة في حرب الخليج، حصلت دمشق على دعم حسن. لكنها بدلا من أن تعيد بناء اقتصادها المنهار، فضلت أن تشتري وسائل قتالية. كما أنها رفضت مطالب ثلاثة رؤساء حكومات إسرائيليين (رابين ونتنياهو وباراك)، الذين طلبوا تسوية إقليمية في الجولان. وفي مستهل حكمه، قطع بشار الأسد براعم الحرية. وعلاوة على ذلك فإن انغلاقها أمام عمليات العولمة مس حصانتها الاقتصادية بشدة، ووجه ضربة مؤلمة إلى مكانتها في العالم العربي. الأنباء التي تتحدث عن دور سوريا في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني أثارت عليها باقي أصدقائها في المنطقة والعالم. السُنيين والدروز، حلفائها التاريخيين في لبنان، والسعودية، التي كان الحريري من مقربي العائلة المالكة فيها، وفرنسا التي كانت توشك على اقتطاع نصيب حسن من إعادة إعمار لبنان، وأوروبا. وحتى روسيا، وكيلتها التقليدية، تخشى من الدخول في ساحة مواجهة أخرى مع الولايات المتحدة. يبدو أنهم في دمشق قد تأخروا في استيعاب قواعد اللعبة العالمية. رؤساء النظام، الذين بلوروا تصورهم العام في فترة الحرب الباردة، قدروا أن سوريا ستستطيع الاحتيال ما بين أوروبا، والأمم المتحدة والولايات المتحدة، وأنها قادرة على مواصلة اغتيال خصومها السياسيين. وبعد الانسحاب من لبنان، أملوا أن يجتذب الوضع في العراق الانتباه العالمي، أو ربما اعتمدوا على ألا يتعاون نظام الحكم اللبناني مع الأمم المتحدة، لكنهم فشلوا هنا في تقديرهم أيضا. ولقد انتظرت الولايات المتحدة هذه الفرصة تحديدا، فلها حساب تاريخي مع سوريا. المساعدة التي ما زالت تقدمها دمشق للمنظمات الإرهابية في العراق جعلتها هدفا مثاليا لواشنطن، التي تتهمها أيضا بدعم الإرهاب العالمي، وإحباط مخططاتها في الشرق الأوسط. في الواقع، تعد سوريا هي الأضعف بين دول (محور الشر)، ولا يجوز مقارنتها بإيران في كل ما يتعلق بقدراتها. لكن العقوبات الشديدة التي ستتحملها على نحو شبه أكيد، خطوة مبررة ومنطقية وضرورية. ربما لا يتم إخضاع سوريا في غضون زمن قصير، كما يأملون في الولايات المتحدة. فمازال نظام البعث يحظى بشرعية داخلية، ويبدو أن سيطرته على الجيش قوية، ولا يبدو أن المعارضة قادرة على القيام بانقلاب. لكن استمرار عزلها، إقليميا ودوليا، وزيادة الخطوات الاقتصادية المضادة لها قد تنشئ مسيرة طويلة الأمد، تؤدي إلى القضاء على نظام البعث. والصحيح حتى الآن أن الأسد يستطيع أن يتصرف مثل ماكبيث فقط: أن ينظر إلى الوراء، وأن يتذكر أيامه الطيبة، وأن يلوم نفسه فقط.
معاريف 4-9-2005 |