Tuesday 13th September,200512038العددالثلاثاء 9 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الاقتصادية"

شئ من المنطقشئ من المنطق
تصرح الجريسي: الكرت الأحمر
أ.د. مفرج بن سعد الحقباني

نشر في معظم الصحف اليومية تصريح مقتضب لرجل الأعمال الشيخ عبدالرحمن الجريسي ذكر فيه بعض النقاط المهمة التي ربما تفسر استمرار انحسار دور القطاع الخاص في اقتصادنا الوطني واستمرار تدفق رؤوس الأموال إلى الدول المجاورة التي يأتي في طليعتها بالطبع إمارة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد ذكر الشيخ عبدالرحمن الجريسي أن رجال الأعمال الذين يحظون بشرف عضوية المجلس الاقتصادي الأعلى لا يستجيبون كثيراً للدعوات التي توجه لهم لمناقشة مطالب وقضايا القطاع الخاص والمعوقات التي تواجه هذا القطاع الهام تمهيداً لتبنيها وعرضها على المجلس لإيجاد الحلول المناسبة التي تحقق مصلحة القطاعين العام والخاص، وأشار إلى أن الأعضاء يؤكدون أن عضويتهم عضوية شخصية لا يمثلون من خلالها سوى أنفسهم وليس مجمل القطاع الخاص. وفي الطرف الآخر ذكر الشيخ الجريسي أن محاولاتهم لفتح قناة للتواصل مع المجلس لم يكتب لها النجاح بسبب القناعة لدى أمانة المجلس بأن الأعضاء من القطاع الخاص فيهم الكفاية لإبراز رؤى هذا القطاع وأنهم بموجب هذه العضوية يمثلون كافة شرائح القطاع وينقلون همومه وقضاياه إلى ميدان النقاش والحوار في المجلس. وفي اعتقادي أن مثل هذا التصريح يحتاج إلى الكثير من الجهد لفك رموزه وتحليل محتواه لكونه - في نظري - يمثل الخطوة الأولى لتحديد مسارنا الاقتصادي في الحاضر والمستقبل ولكونه يمثل المحور الرئيسي الذي يجب علينا البدء به عند الرغبة في رسم استراتيجياتنا الاقتصادية في ضوء المعطيات المحلية والإقليمية والدولية. فمن هذا التصريح يتضح في نظري حقيقتان: الأولى أن أعضاء المجلس الاقتصادي الأعلى من القطاع الخاص يحتاجون إلى إدراك معنى عضويتهم ودورهم في المجلس إذ إنه لم يتم اختيارهم إلا لكونهم من رجال الأعمال المؤثرين في القطاع الخاص القادرين على فهم أسرار هذا القطاع والدفاع عن مطالبه أمام ممثلي القطاع العام في مجلس وإلا أصبحت عضويتهم غير ذات جدوى. وهذه الحقيقة تفرض عليهم بموجب عضويتهم في المجلس ليس فقط الاستجابة إلى الدعوات المقدمة لهم من مجلس الغرف التجارية والصناعية أو مجالس الغرف التجارية والصناعية في مناطق ومدن المملكة، ولكن أيضاً السعي الحثيث لخلق قناة من التواصل المستمر مع رجال الأعمال والهيئات الممثلة لهم ورصد حركة المتغيرات الداخلية والدولية ومعرفة تأثيرها على القطاع الخاص واقتراح الحلول المناسبة لمواجهتها أو استثمارها بالاستعانة بما هو متاح لدى الغرف التجارية وغيرها من مصادر المعرفة الاقتصادية حتى يمكن لهم أن يصبحوا أعضاء فاعلين في المجلس قادرين على الدفاع عن مصالح القطاع في مواجهة ما قد يصدر من قرارات أو تنظيمات أو تعليمات قد تضر بحركة هذا القطاع وتحد من قدرته على القيام بدوره المنتظر. وفي اعتقادي أن الأمانة العامة للمجلس مطالبة بتعريف أعضاء المجلس من القطاع الخاص بدورهم وتقويم هذا الدور من خلال ما يقدمه العضو من إسهامات تخدم أهداف المجلس وتساعده على الحصول على المعلومات الدقيقة الشاملة التي تعكس وجهة نظر القطاع الخاص بمجمله وليس فقط وجهة نظر عضو المجلس عندما فقط سيكون العضو مدفوعاً إلى التواصل المستمر والبحث عن فرص الحصول على المعلومة من مصادرها في القطاع الخاص بدلاً من التشاغل عن التواصل مع القطاع ورجالاته المؤثرين.
الحقيقة الثانية وهي في ظني أشد خطورة من الأولى أن الأمانة العامة للمجلس ترى - حسبما فهمته من التصريح - أن الأعضاء من القطاع الخاص قادرين على إبراز هموم القطاع وفي ذلك ما يحقق كفاية المجلس من المعلومات المطلوبة ويغني عن الاجتماع والاستماع إلى غيرهم من رجال الأعمال. وفي هذا السياق أتمنى أولاً أن أكون قد أخطأت الفهم لأن مثل هذه الحقيقة - إن حدثت - تشكل رأس السهم الذي سيصيب مستقبلنا الاقتصادي ويعرض واقعنا التنموي للخطر خاصة في ظل بشائر قرب انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية. فإذا كنا نعلم بأن هذا الانضمام سيفرض واقعاً جديداً يكون البقاء فيه للأقوى القادر على منافسة المنتجات العالمية، وإذا كنا نعلم بأن القطاع العام لم ولن يكون قادراً على القيام بدور اللاعب الماهر في مستقبلنا الاقتصادي لكونه ببساطة لا يمتلك المقومات المطلوبة، فإن هذا يفرض علينا ليس فقط الاستماع إلى رجل الأعمال والمستثمرين ولكن أيضاً دعوتهم وتشجيعهم للمشاركة بالرأي والعمل من أجل رسم خريطتنا النظامية والتنظيمية القادرة على تهيئة اقتصادنا الوطني لمواجهة المتغيرات المستقبلية لكونهم ببساطة أيضاً يمتلكون المهارة والدراية اللازمتين لرسم مكونات هذه الخريطة. فمن غير المنطقي أن نطالب القطاع الخاص بالاستثمار في الفرص المتاحة ونحن لا نستمع إليه ولا نتعرف على مشاكله التي يسعى لتلافيها حتى لو كلفه ذلك مغادرة الوطن، ومن غير المنطقي أن نعد العدة لمواجهة اقتصاديات العالم التي تقوم على معطيات السوق وثقافة القطاع الخاص ونحن نخطط لقطاعنا الخاص من مكاتبنا بعيداً عن الواقع المحلي والإقليمي والدولي. بعبارة أخرى لا نستطيع أن نلعب دور الطبيب لمعالجة أمراض القطاع الخاص ونحن لم نلتحق بكلية الطب المتخصصة في تشخيص مشاكل وأمراض القطاع ووصف الدواء اللازم الذي تفوق مزاياه آثاره الجانبية، ولا نستطيع أن نعتمد على العاطفة لإقناع القطاع الخاص بالبقاء داخل حدود الوطن حتى لو كان ذلك لا يتناسب ومعطيات الرشد الاستثماري. فهل نسارع في تبديل ثقافتنا الاقتصادية قبل أن نكون مجبرين على ذلك وقبل أن تسارع الدول المجاورة لفتح صيدلياتها وتقديم وصفاتها الطبية والفنية لإغراء المستثمر الوطني؟ أتمنى ذلك ولكن..
إشارة: أخوف ما أخاف على اقتصادنا الوطني استمرار البيروقراطية الإدارية التي ترى النجاح في فرض القيود وتقييد الحركة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved