Tuesday 13th September,200512038العددالثلاثاء 9 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الاقتصادية"

هل الفساد المالي ضرب من الإرهاب؟هل الفساد المالي ضرب من الإرهاب؟
د. محمد بن فهد القحطاني

يعرّف المتخصصون الفساد المالي بأنه (استغلال الوظيفة العامة في تحقيق مكاسب شخصية), وبالتالي فإن الموظف الحكومي يستخدم صلاحياته الممنوحة له بقوة النظام للاستيلاء على الممتلكات العامة أو الحصول على مدفوعات من قبل أفراد لقاء خدمات تُقدم مجاناً في الأصل.
إن من الملاحظ ومن واقع الاقتصاديات النامية هو تفشي ظاهرة الفساد المالي في البلدان التي تعاني من غياب الديمقراطية والتعددية والشفافية ومحاسبة المسؤولين مهما علوا في السلم الوظيفي, وبذلك أصبحت تلك الأقطار مرتعاً خصباً وبؤراً لانتشار الأمراض التنموية المختلفة.
ففي ظل انعدام تلك الضوابط القانونية والمؤسساتية تستشري (ثقافة الفساد) بحيث يُنظر إلى تولي الوظيفة الحكومية كمفتاح ومصدر للثراء السريع بصرف النظر عن مدى مشروعية ذلك الكسب, لذا عندما تُسند لشخص ما مهمات وظيفة عامة عليا, كحقيبة وزارية مثلاً, لا تلبث أن تنهمر عليه عبارات الثناء والتبريكات بسبب الارتباط آنف الذكر بين السلطة والثراء.
من أهم النتائج التي تترتب على انتشار الفساد المالي في أي مجتمع هي فقدان السياسات المالية لتأثيراتها المتوخاة.
فالإنفاق الحكومي يصبح عديم الجدوى في حل المشكلات الاقتصادية المختلفةلأنه ينتهي به المطاف في جيوب المسؤولين, كما تفقد الميزانية العامة أهم روافدها بسبب التهرب الضريبي وانعدام الرقابة على المال العام.
كنتيجة لذلك تتراجع مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين نظراً لانعدام كفاءة الأجهزة الحكومية حيث ينعكس سلباً على أهم القطاعات التي تمس حياة ومستقبل المجتمعات, لعل ذلك يبرر انهيار مستويات الصحة والتعليم و(السلع العامة) الأخرى في أغلب البلدان النامية الغنية.
يرفع الفساد الإداري كلفة الاستثمار من خلال فرض رسوم ومدفوعات غير قانونية (رشوة) يتوجب على المستثمر دفعها قبل الشروع في النشاط, بل تكون أحد المسوغات الضرورية للحصول على ترخيص إنشاء المشروع.
كما أنه في أحيان كثيرة يؤثر استشراء الفساد الإداري والمالي تأثيراً مباشراً على مستويات المنافسة ويقود إلى تكريس الاحتكار من خلال قصر نشاطات تجارية وصناعية معينة على أفراد وحظر دخول مستثمرين جدد.
إن المتابع للتناقضات الهيكلية التي تعاني منها دول الخليج العربية لهي نتيجة مباشرة لفشل السياسات الاقتصادية المتبعة والنابعة من الفساد المالي والإداري المنتشر في الأجهزة التنفيذية.
ففي الحين الذي يعاني المواطنون من الإقصاء من سوق العمل تستضيف هذه البلدان الملايين من العمالة الوافدة وغير المدربة, العاطلة في بلدانها الأصلية وغير قابلة للتوظيف أصلاً بسبب تدني مهاراتها الأساسية.
إذاً يأتي السؤال: لماذا يتم استقدام هذه العمالة المنافسة للعمالة الوطنية؟..
لعل الإجابة تكمن في ارتباط وجود هذه العمالة مع مصالح المتنفذين والذين يقومون بتطويع وصياغة القوانين والأنظمة لمصالحهم الشخصية على حساب أمن الوطن ومصالح المواطنين.
إن التناقض الصارخ الآخر هو الخلل في توزيع الثروة بين طبقات المجتمع المختلفة, ففي الحين الذي يعاني السواد الأعظم من الفقر المدقع بسبب تدني مستويات الخدمات الضرورية كالصحة والتعليم والبرامج الاجتماعية التي تستهدف الفقراء, كالضمان الاجتماعي, يزداد الثراء الفاحش لشريحة صغيرة في المجتمع بسبب الثراء غير المشروع أو على الأقل عدم ارتباط دخولهم بالجهد الذي يبذلونه.
نجم من ذلك الاضمحلال السريع للطبقات الوسطى واتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء مما أدى إلى ظهور بوادر مشكلات اجتماعية واقتصادية ترتبت على الخلل في توزيع الثروة.
فإذا كان الإرهاب خطراً يترتب عليه قتل الأرواح البريئة وإتلاف الممتلكات الخاصة والعامة إلا أن ذلك مربوط ببعد زمني ومكاني محصور ومحدد.
إلا أن الفساد المالي يتسبب في تدمير مقدرات الأمة على نطاق واسع وتعثرها عن تحقيق أهدافها المرسومة, ولعل أوضح مثال على ذلك هو فشل خطط التنمية الوطنية في إنجاز الأهداف الإستراتيجية نظراً لوجود هذه المعوقات غير المأخوذة بالحسبان.
وفي أحيان كثيرة تتخوف الأنظمة التي تعاني من استشراء مشكلة الفساد المالي من الانتقادات حتى لو كانت تلك الملاحظات من أشخاص متخصصين تتطلب منهم واجباتهم المهنية التحذير من المخاطر المحدقة بمجتمعاتهم.
لذا تنتهج الأجهزة التنفيذية سياسة تكميم الأفواه للنخب المتعلمة مما يُعتبر ضرباً من الإرهاب الفكري الذي يؤدي إلى كبت الكوادر المثقفة وإحباط محاولاتها في الإصلاح.
وختاماً فإن الفساد المالي يترتب عليه قتل الأمة والتدمير الكامل لمقدراتها.

mqahtani@ids.gov.sa

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved