بوصلتنا الأولى اتجاه المدن هي أعمال أدبائها وفنانيها، وهي الخريطة الأولى التي تجعلنا نكتشف ما خلف الواجهات السياحية التي تُوفر لزوار المدينة عادة، لكن لم يقدم لي الأديب (فرانز كافكا) والروائي (ميلان كونديرا) عن مدينة (براغ) عاصمة التشيك سوى صورة معتمة قاتمة مليئة بالجور والظلم والشوارع الطاردة والحدائق الخاوية.. فأعمال (كافكا) كانت مطوّقة بجحيم الهولوكست يرافقه ذلك الإحساس الفائق بالدونية ليهود أوروبا بالشكل الذي يجعله يستيقظ في أحد الأيام ويكتشف بأنه قد تحوَّل إلى حشرة.. ذلك الشعور السلبي اتجاه العالم من حوله لم يمنع مدينة (براغ) من إعادة اكتشاف (كافكا) وتكريمه، وإقامة متحف باسمه، وتخليده مجسداً في متحف الشمع، أما الأديب التشيكي العالمي صاحب الروايات الشهيرة (كائن لا تحتمل خفته، والضحك، والمزحة) ميلان كونديرا لعله كان أكثر التصاقاً بأرض (بوهيميا) وهي جزء من التشيك الآن، وكان أكثر تعبيراً عن الروح التشيكية وإبرازاً لخصائصها ومحاولتها القوية ضد الطمس والإلغاء، لا سيما أن ألمانيا جارتها الكبرى المتعجرفة، تصف المنطقة التشيكية بكونها مجموعة من الألمان قرروا أن يتكلموا التشيكية. ولكن مأزق كونديرا كان في صراعه مع النظام الشيوعي الحديدي الذي كان يسيطر على التشيك لفترة طويلة، ذلك النظام الحزبي الصارم الذي طوَّق الحياة وحيويتها وفنونها وتبدُّلها وتغيُّرها المناسب مع نهرها العظيم، بأطواق كثيفة من الوصايا والشعارات والمحاذير الحزبية، فكنت من خلال روايات (كونديرا) لا أرى في (براغ) سوى مجموعة من الشوارع المزروعة بالجواسيس المراقبين للناس لصالح الحزب. وهذا العام عدت لأكتشف (براغ) بصورة مختلفة، لتباغتك منذ المطار بمفاجأة كبيرة فتجد أنها مدينة قررت أن تتحوَّل إلى متحف.. الجو العام في التشيك ما برح يحمل الكثير من المرار والنقمة ضد الحكم الشيوعي السابق، وعلى الجانب الموازي تجد أن التغيُّرات الاقتصادية الحثيثة على جميع المستويات بغرض الانفتاح على العالم ومواكبة العصر، والانحراط في المسيرة العالمية بشكل مدهش وسريع لا يتوازى مع السنوات القليلة التي أعقبت الانفتاح.. ولكن الأمر الأهم الذي تميّزه في براغ هو ذلك الاحتفاء البارز بالفنون بجميع تشكلاتها وتجلياتها ابتداءً من الفن المعماري في الشوارع والقصور والقِلاع القديمة المتوارية في غابات طاغية الجمال.. وانتهاءً بأزقة المدينة التي تعود إلى العصور الوسطى، والمتاحف المزروعة في كل منعطف، وواجهات المحلات المزدانة بالكريستال (البوهيمي) الذي يفاخر التشيكيون بنقائه حيث تقول أساطيرهم بأن (كل قطعة كريستال مرآة تعكس قلوبهم النقية).. كل هذا يلتف ويدور حول نهر (الفولتافا) الذي يتغنى به شعراؤها وموسيقيوها، في تلك الفرق الموسيقية الجائلة التي تملأ الشوارع من حولك، تلك المدينة العريقة التي أسماها قدماء العرب الذين وصلوا إلى هناك (بمدينة فراغة) كما هو مكتوب في إحدى المخطوطات العربية القديمة في المتحف الوطني لبراغ. كل منعطف في تلك المدينة يقودك إلى شبكة أخرى من الأزقة المرصوفة بالمطاعم والمقاهي وفرق الموسيقى وواجهات المحلات التي تبرق بالكريستال، إضافة إلى ذلك الكلف الفائق بالفن الدرامي سواء عبر مسارح الأوبرا والبالية، أو عبر المسارح الصغيرة التي تقدم نماذج من المسرح العالمي الكلاسيكي والحديث. لا يمكن أن تجلس مكتوف الأيدي في (براغ) وحولك هذا الكم الهائل من الأنشطة الفنية التي تعجز عن جدولتها أو برمجتها في جدولك اليومي المزدحم، إلى أن تقرر فجأة.. أن تركض فقط إلى الهدوء والصمت تحت مظلة أحد المقاهي وتستمع إلى صوت طرقات المطر الصيفي فوق مظلة المقهى ورائحة القهوة المنعشة، وتتأمل مدينة كاملة تحوَّلت إلى متحف.
|