وسط الفرحة الغامرة في غزة حرص القادة الفلسطينيون على التذكير بأنه لم يحن الأوان بعد لاحتفالات نهائية؛ لأن الانتصار النهائي لم يتحقق، إذ لم يتم بسط السيادة الفلسطينية على المعابر والميناء والمطار والأجواء والمياه الإقليمية في قطاع غزة، هذا فضلاً عن أن مساحات واسعة في الضفة الغربية لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي. وقد وردت هذه الإشارات المهمة على ألسنة مسؤولين في السلطة وفي مختلف الفصائل، الأمر الذي يؤكد على أهمية التذكير بذلك؛ حتى لا تستغل إسرائيل مجرد هذا الخروج لتزعم أنها قامت بما هو مطلوب منها، وأنها لن تفعل أكثر من ذلك. فإسرائيل عندما تنسحب من قطاع غزة فهي لا تمنُّ بذلك على الفلسطينيين، وهي لم تفعل أكثر من أن ترد بعضاً من الحق إلى أهله، ولا يزال عليها إكمال ما بدأته من عمل، فهناك المعابر وهناك الأجواء، وفي غياب المنافذ إلى خارج غزة براً أو بحراً أو جواً فإن غزة ستتحول إلى سجن كبير، وقد بدا من كثرة تكرار هذه العبارة أن المخاوف لها ما يبررها من أن يجد الفلسطينيون الذين تضيق بهم مساحة القطاع الضيقة - بطول 45 كلم وعرض 10 كلم - أنفسهم محشورين في هذا الشريط الضيق القاحل، وهو لا يكفي لمجرد سكن أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني، دعك من إتاحته مجالاً لاستيعاب أنشطة اقتصادية صناعية وزراعية لكل هؤلاء. لقد رأينا البعض في الأسرة الدولية يهرع إلى إقامة العلاقات مع إسرائيل وهي لم تكمل بعد انسحابها من غزة، والخشية أن تستمر إسرائيل في استغلال خروجها النهائي من القطاع لتشجيع البعض الآخر على تحقيق التقارب معها، وخصوصاً أن الكثير من دول العالم تتعرض لضغوط أمريكية صريحة تستهدف إقامة علاقات مع إسرائيل بعد عزلة شبه كاملة للدولة الصهيونية في المجتمع الدولي. ولا شك أن السماح بإدماج إسرائيل في المجتمع الدولي سيزيد من تعنُّتها فيما يتصل بالتسوية، بينما شكلت العزلة الدولية ضدها في الماضي ضغوطاً عليها. ومن جانبهم، فإن الفلسطينيين عازمون على الحفاظ على وتيرة المقاومة ما دامت بلادهم لم تتحرر بالكامل، وما داموا يخضعون لصنوف الذل والهوان على أرضهم، فهناك هذا الانقطاع المريع بين الضفة وغزة، وهناك هذا الاحتلال المقيت للقدس الشريف، فضلاً عن الكيانات الاستيطانية الكبرى المزروعة في الضفة، إلى جانب السور الذي يتلوَّى في أنحائها مخلاًّ بالتواصل الطبيعي بين أجزاء الضفة الغربية. إذن، فإنه يحق للفلسطينيين أن يحتفلوا، لكنهم يدركون أن عليهم إكمال مهام نضالهم الذي أثمر طوال عقود عن هذا الانتصار في غزة، كما أنهم يدركون أن إسرائيل ستراوغ أكثر فيما يتصل بالسلام، مستندة في ذلك إلى إعادتها الناقصة لغزة في غياب معابرها وأجوائها وممراتها البحرية.
|