(نحلم لنتعلم) كانت هذه الجملة البسيطة العميقة إجابة لأخي الصغير أسامة - آخر العنقود - والبالغ من العمر 8 سنوات عندما سألته (لماذا نحلم؟)، أتت مقولة أسامة لتعزز المثل الأمريكي القائل: (إذا كانت عندك مشكلة ما تشغل بالك فعليك بالنوم عليها)، الأحلام - في بعض الأحيان - مرتع خصب لحل المشاكل وتحليلها من جميع النواحي المختلفة المرتبطة بالمشاكل، ذلك لأن الأحلام تتكوَّن عادة في ظروف يكون فيها النائم مسترخياً بعيداً عن الضغوط والتركيز والإرهاق، فتجعل النائم يربط جميع ما يجول في عقله من أبعاد متعددة متعلقة بالمشكلة ليتجلى بحالة التفكير خارج المحيط أو الصندوق. لقد امتدت آفاق معامل الأحلام لتتكوَّن فيها الاكتشافات والاختراعات، فلطالما ألهمت المبتكرين والعلماء والشعراء والمؤلفين وغيرهم.. ودعوني أبدأ بتجربتي الشخصية ففي صباح ذلك اليوم الذي أفقت فيه على رنين هاتفي وكانت زوجتي الحبيبة كعادتها تطمئن علي بداياتي وتناقش جدولي اليومي لتضيف إليه اقتراحاتها الألمعية المفيدة أخبرتها بحلمي الذي وجدت فيه جواباً لجزئية متعلقة ببحث رسالتي للدكتوراه، وبعد نقاش مع زوجتي تبلورت الصورة من ومضات الحلم فوجدنا الجواب الذي كنت أبحث عنه في كامل الوعي لنجده في حلمي، أو كما يُقال وجدتها (وأنا نائم).. وفي طريق العودة من جامعتي صادفت في القطار جاري اللطيف بيل وابنته كيتي البالغة من العمر 12 عاماً وذكرت لهما قصة حلمي، فقاطعتني كيتي بكل حماس بأنه حصل لها نفس الشيء عندما كانت تقوم بكتابة مسرحية ولم تعلم كيف تنهيها، لتجد ضالتها في حلمها حيث تقول إنها حلمت بأنها قابلت الشخصية الرئيسة لمسرحيتها في الحلم وقال لها كيف تنهي المسرحية؟.. واستطردت بأن نهاية المسرحية كانت أجمل ما فيها بشهادة أساتذتها وأغلب التلاميذ والتلميذات. إنجازات وابتكارات كثيرة مرَّت بمختبر أحلام العلماء والمخترعين قبل أن تخرج للتاريخ مثل آلة الخياطة الكهربائية وجدول العناصر الكيميائية (الجدول الدوري) حتى اكتشاف حلقة البنزين التي كان يحاول فك لغزها العالم الكيميائي الألماني كيكيل والذي استلهم شكل ذرة مركب البنزين من ثعبان أتى إليه في منامه وكان دائري الشكل حيث كان رأس الثعبان ممسكاً بالذيل وعندها استنتج أن شكل المركب دائري بعكس باقي الذكريات التي تأخذ شكلاً مستقيماً.. ولم يهمل المهندسين أحلامهم فما زلت أتذكر قصة تصميم المهندسة المعمارية الأمريكية المميزة ديفيز لبيتها والذي هندسته من حلمها، بل وتؤكد على أن أفضل تصاميمها للمنازل تأتي من أحلامها.. ووصلت ألوان الأحلام إلى ريشة الفنانين التشكيليين فسلفادور دالي خرج لنا من مرسم أحلامه بلوحاته الفانتازية مثل لوحة الساعات الذائبة، وأمطرت سحب الأحلام بأبيات على الشعراء لتنظم لهم قصائدهم وأذكر منها على سبيل المثال قصيدة الشاعر تيلور كولدرج الشهيرة (كبلا خان) التي كانت كل كلماتها وصورها من حلمه.. وتستمر قائمة المستفيدين من أحلامهم في تخصصات ومجالات أخرى ممن كانت أحلامهم منفذاً للتطوير أو الابتكار أو حل المشاكل.لكن السؤال هنا كيف يمكن لنا أن نحلم بما نريد؟ وذلك للاستفادة من وقت الأحلام الضائع الذي يعادل في متوسط أعمارنا 6 سنوات أي ما يعادل 2100 يوم حسب تقدير العلماء.. بدأت البحث في الإنترنت للإجابة على السؤال المطروح فوجدت أشياء كثيرة، لكن لفت انتباهي مجموعة متخصصة في ما يُسمى بحضانة الأحلام في ولاية بنسلفانيا الأمريكية التي تقوم بعمل دورات تساعدك على أن تحلم بما تريد فقمت بالاتصال بهم وتحدثت مع أحد المتخصصين فقلت له كيف يمكنني أن أحلم بما أريد؟ فقال لي قبل أن تنام عليك بأخذ حمام دافئ، وإشعال نور خفيف وقم بتغيير مكان نومك المعتاد على سريريك ولخص ما تريد أن تحلم به في جملة واحدة استحضرها ورددها أكثر من مرة وحاول أن تبعد كل شيء يشغل عقلك عن ما تريد أن تحلم به، وأكمل بقوله وفور نهوضك من النوم دوِّن كل ما تستطيع أن تتذكره في حلمك فسألته إن كان يستطيع ضمان النتيجة؟ فأجاب لا أستطيع أن أفعل ذلك يا سيد أحمد ثم سألني عما إذا كنت أريد أن أتعلم كيف أستفيد من أحلامي من خلال الطرق التي يقومون بتدريسها في ورش عملهم، فقلت له مازحاً هل تستطيعون تعليمي كيف يمكن أن أصبح (الحلم الأمريكي) فضحك كثيراً وشكرته جزيل الشكر ووعدته بالتواصل.بعد ذلك هاتفت جاري بيل لأخبره بما توصلت له خلال بحثي عن الموضوع - كما وعدته - فأقنعني بأن نطبق ما أوصى به المتخصص الذي استشرته حتى وإن لم نكن مؤمنين بفعالية ما يقول، فوافقت وقلت له لا تنس أن تقول لكيتي أن تشاركنا التجربة لعلها تقوم بحل واجباتها القادمة خلال النوم لتجد وقتاً أكبر للعب في عطلة نهاية الأسبوع وفعلت ما طلب مني ثم قرأت المعوذات وأذكار النوم قبل أن أغمض عينيّ وعند نهوضي من النوم لصلاة الفجر لم أحلم بشيء قط.. فقلت لنفسي لعل الله يريد لي أن يكون الحلم في ما تبقى من نومي، لكن لم يقسم لي المصور المعطي رب العالمين أن أحصل على مبتغاي في الجزء المتبقي من نومي وفي صباح اليوم التالي اتصل بي الجار بيل ليبدأ مكالمته مقهقهاً (لم تنجح يا أحمد فلا أنا ولا كيتي حلمنا بما نريد وماذا عنك؟) فقلت له حتى أنا أيضاً لم أحلم بشيء. خلاصة القول في تجربتي الحلمية - إن شئتم تسميتها - والتي تكمن في الآتي: - أولاً سوف أترك موضوع بماذا أحلم لرب الأنام راجيه أن يوظِّف أحلامي وأحلامكم فيما يعود علينا بالنفع. - متى ما حلمت بشيء مرتبط بما يشغل بالي ولم أجد حلاً أو علاقة مباشرة له في حلمي فسوف أقوم بتدوينه وأتسلى بالاطلاع عليه وتحليله في وقت فراغي. - أفضِّل أن أحاول أن أستفيد من أحلامي بنفسي. - سوف أخصص مذكرة لكل الصور الخيالية في أحلامي والتي قد أشتق منها أفكاراً في المستقبل. - هناك فرق كبير بين تفسير الأحلام وتحليلها والاستنتاج منها. - وأخيراً سوف أتوقف عن المقولة التعجيزية السائدة التي تستعمل للتحدي (في الأحلام).. فقد يتحقق في الأحلام المستحيل. ختاماً أودعكم سيداتي وسادتي قراء (الجزيرة) الموقرة بتوقيت واشنطن لأتمنى لكم أحلاماً سعيدة.. وأضيف وأحلاماً مفيدة. جامعة جورج واشنطن (إدارة الهندسة وهندسة النظم)
azh@gwu.edu |