Tuesday 13th September,200512038العددالثلاثاء 9 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "عزيزتـي الجزيرة"

الرد على الجوانب النفسية لهذه المشكلةالرد على الجوانب النفسية لهذه المشكلة

اطلعت على ما كتبه سلمان بن محمد العُمري في زاويته (رياض الفكر) والتي يطالعنا بها كل صباح جمعة، وقد حملت الزاوية من خلال العدد رقم (11971) عنوان الموضوع الذي كتبه الأخ العُمري وأسماه (رسائل ملغومة).
وبحكم أن الموضوع الذي طرحه الكاتب يجيء مع تعلق الناس بالتقنية الحديثة، وله جوانب نفسية مهمة ينبغي التطرق لها، بل الرد على الجوانب النفسية لهذه المشكلة، حيث لا يختلف أثنان على أن رسائل فاعلي الخير الملغومة تفجر أزمات ومشاكل اجتماعية ونفسية سيئة وخطيرة بين أفراد المجتمع الذي يضمنا ولهذا فهي تحتاج منا وقفة جادة ونظرة تحليليلة موضوعية لجوانب هذه المشكلة سواء أسباب ودوافع هذه الظاهرة الخطيرة ثم محاولة معرفة وتوضيح تلك الآثار النفسية السيئة الناتجة عنها وأخيراً مناقشة الحلول الممكنة لمواجهتها ومحاولة القضاء عليها وذلك من خلال النقاط التالية:
بخصوص الأسباب قد يدعي البعض أنها نوع من الدعابات بين الناس لكنها ليست كذلك كما يعتقد البعض، أنها ظاهرة اجتماعية سيئة ولكن وراءها أسباباً عديدة لأن الأشخاص الذين يقومون بها تتعدد دوافعهم وبالتلي أسباب تلك الدوافع والتي يمكن تلخيصها في عدة أمور:
أولاً: انعدام الضمير وقلة الوازع الديني وخلل القيم الاجتماعية في زمن العولمة وتغيير المبادئ والمثل العليا في سبيل الوصول لأهداف دنيئة بتلك الطرق الوضيعة وساعد على ذلك تكنولوجيا الاتصالات الحديثة التي سهلت تلك الأعمال العابثة وغير المسؤولة في ظل وجود فراغ وخلل في العلاقات الاجتماعية وازدياد صراع الحقد والحسد والغيرة في قلوب الناس لأسباب كثيرة.
ثانياً: هناك دوافع نفسية لبعض هؤلاء الأشخاص أهمها معاناة الشخص من بعض الاضطرابات الشخصية وخصوصاً الشخصية السيكوباتية (العدوانية) فالشخص العدواني ليس فقط هو الذي يتصف بالعنف والإجرام والإرهاب والدموية والقتل وما إلى ذلك من السلوك العدواني بالأفعال بل هناك نوع آخر من الشخصية العدوانية لكن بالأقوال وذلك بإثارة المشاكل والخلافات والفتن بين الناس بالغيبة والنميمة والوقيعة بينهم ومن الممكن اعتبار تلك الرسائل ضمن هذا السلوك اللفظي والذي يسعد الشخص العدواني ويتلذذ به فهو يسعى لإيجاد وخلق المشاكل ليحصل على الاستمتاع الذي يصل إليه إذا وضع الناس في صراعات ومشاكل ومعاناة، إنها النفس الإمارة بالسوء كما وصفها المولى عز وجل.
أما عن الآثار النفسية السيئة المترتبة عليها يجب أن نعترف أنه بالطبع توجد آثار متشعبة ومتداخلة نتيجة لهذه الرسائل الملغومة والتي تعتمد على عدة نقاط مثل نوع الرسالة ومضمونها والهدف المقصود من إرسالها لأطراف الرسالة لكنها عموماً لا تخلو من هذه الآثار والتي تبدأ في زرع بذور الشك بين الناس سواء كان الزوجين أو الأب وابنته أو الأخ وأخته أو بين الأصدقاء أو زملاء العمل وما إلى ذلك من العلاقات الاجتماعية والتي بالطبع تتأثر بمثل هذه الرسائل وما تحدثه من آثار سيئة ومدمرة للعلاقات الاجتماعية بين الأزواج والأهل والأصدقاء والزملاء أو حتى الجيران حيث يكون هناك أحد احتمالين للمواجهة بين الأطراف المرتبطة بتلك الرسائل ولها إما أن يتم كبت هذه الرسائل وتظل كامنة في صدور الناس لكنها تغلي مثل القدر الكاتم وتؤدي لأحداث تصدع وشروع في الثقة وتوليد حالة من الشك والغيرة المرضية والوساوس نتيجة لعدم القدرة على المواجهة بين الأطراف وتحليل الأمور وتصفيتها بصورة إيجابية وواقعية وبالتالي إيجاد حالة استنفار وتوتر وإحباط وقلق وربما اكتئاب نفسي، أما الاحتمال الثاني فقد يحدث العكس حيث رد الفعل عصبي من مواجهات ومصادمات ولوم وربما مشاجرات وما إلى ذلك من خلافات اجتماعية وأسرية بناء على خطورة هذه الرسائل وبالتالي تحدث القطيعة والخصام وربما يصل الأمر إلى درجة ارتكاب الجرائم - لا قدر الله- إذا كان الأمر يتعلق بالشرف والأمانة والنزاهة والذمة ولا يخفى علينا انعكاساته السيئة على ترابط الأسر وتماسك المجتمع مثل حدوث الطلاق لزوجة مظلومة وبالتالي تشتيت وضياع الأبناء ومعاناتها الاجتماعية والنفسية هي وأبناؤها نتيجة لذلك أو ربما يتم فصل موظف من وظيفته وفقدانه لمورد رزقه وبالتالي صراعه النفسي وإصابته بالقلق والاكتئاب وغير ذلك من كل تلك الآثار المدمرة لأناس لا ذنب لهم اللهم إلا تلك الرسائل الملغومة من فاعلي الشر.
وأخيراً يجب مواجهة هذه الظاهرة السيئة والتصدي لها لأنها مثل النار تحت الرماد فهناك الكثير ممن عانى من ويلاتها لكنهم لا يريدون الكلام عنها صراحة ومعظمهم لا يريد الفضائح والتحدث في مثل هذه الأمور الخاصة لكنها موجودة بالفعل وتتكرر كل يوم وبناء على ذلك يجب أن لا تدفن رؤوسنا في الرمال ونستسلم لهذا الوضع الخطير بل لابد من وجود خطة متكاملة تتضافر فيها كافة الجهود للتخلص منها حتى لا تتفاقم هذه المشكلة وذلك من خلال النقاط التالية: يجب زيادة الوعي في المجتمع بخصوص تلك الرسائل من خلال حملة إعلامية منظمة وواعية على كافة المستويات بأخذ آراء ونصائح خبراء علم الاجتماع وعلم النفس والأطباء النفسيين ورجال الدين والقانون وشخصيات المجتمع البارزة لزيادة الوعي بين الناس وتنبيههم بمثل هذه الأمور وكذلك وضع ضوابط وعقوبات لمثل هذه التصرفات وكذلك مساعدة الأشخاص المتضررين من هذه الرسائل سواء اجتماعياً أو نفسياً فالوعي الديني يجعلنا لا نصدق مثل هذه الرسائل لأنها تندرج تحت هذه الآيات الكريمة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } (6) سورة الحجرات. وكذلك أيضاً: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } (12) سورة الحجرات. صدق الله العظيم ولهذا يجب علينا عدم تصديق مثل هذه الرسائل وعدم الالتفات لها والتحقق منها أولاً وبهدوء مع تنمية عامل الثقة في الطرف المقصود بالرسالة حتى لا ندمر العلاقات الإنسانية بدون سند، أما هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بإرسال تلك الرسائل يجب أن يتقوا الله ويعلموا أن الله يمهل ولا يهمل وعقابه شديد في الدنيا والآخرة وهذه ليست من أخلاق المسلم الحق ولقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من مثل هذه السلوكيات الشريرة حيث يقول كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق وأنت له كاذب وحينما تحدث له بعض الصحابة عن سيدة صوامة قوامة إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال: (هي في النار) ومن هذا المنطلق يجب على هؤلاء الناس تنمية الجانب الإيماني والخوف من الله ومحاولة تغيير تلك الطباع السيئة والتي تؤدي للوقيعة بين الناس والابتعاد عن تلك الرسائل المدمرة - حتى وإن كان قصدها المزاح - ولنحاول الإهتداء بهذه الآية الكريمة: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَاقَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } فتزكية النفس الأمارة السوء سهلة بعون الله وتوفيقه بالتقرب إليه والبعد عن كل ما يغضبه بما في ذلك تلك الرسائل والله الهادي إلى سبيل الرشاد، وقد يكون هناك دور للطبيب النفسي في مساعدة هؤلاء الأشخاص في محاولة التغيير للسلوك الأفضل ومعالجة اضطراب الشخصية العدوانية لدى هؤلاء الأشخاص وكذلك أيضاً مساعد ضحايا هذه الرسائل الذين أصيبوا بمشاكل نفسية ومضاعفات من قلق واكتئاب وشكوك ووساوس في التخلص من تلك الآثار النفسية كل هذا بعون الله وتوفيقه حتى يسود مجتمعنا الحبيب الحب والوئام والاستقرار الاجتماعي والنفسي.

أ.د. عزت عبدالعظيم
أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق واستشاري الأمراض النفسية بالرياض

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved