Tuesday 13th September,200512038العددالثلاثاء 9 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مدارات شعبية"

الفراق بين ألم الشاعر وطبيعة الإنسانالفراق بين ألم الشاعر وطبيعة الإنسان

* كتب - علي المفضي:
للفراق ملحمة بدأت فصولها منذ الأزل، وسيضع إمضاءه على آخر ورقة منها في آخر ثانية من الزمن، والتاريخ الإنساني مليء بالألم، نديّ بالدموع، حافل بالجزع ووجع الفراق، ولنا أن نتصور تلك الآهات حين تكسّر حواجز الصبر وتفضح صمت الكبرياء كما اعترف بذلك أبو فراس الحمداني:


إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى
وأذللت دمعا من خلائقه الكبرُ

وغادة السمان قالت ذات فراق: (أن تكون معي وأكون معك ولا نكون معا ذلك هو الفراق)!! ولكل فراق قصة ولكل قصة أثر، وقد تكون أنت سبب الفراق وقد يكون طرفك الآخر، وقد تكونان معاً، والمتنبي ينظر إلى قضية الفراق بعدسته الفاحصة ورؤيته المتفردة حين يصدمنا بحقيقة لا نجهلها بقدر ما نتعامى عنها.


نبكي على الدنيا وما من معشرٍ
جمعتهم الدنيا ولم يتفرقوا

وقد تمر الأيام وتنسينا من كتب علينا أن نفارقهم، أو ربما ينبت في الوجدان غصن يطرد اخضراره أشباح الجفاف عن أودية الروح، ولكن المؤكد أن فراقنا بنظرنا لا يعادله فراق، ووجعنا لا يضاهيه وجع في الكون، كما يرى الأمير سعود بن محمد.


فرقا جرت لي ماجرت للمحبين
فرقا كما روحٍ تفارق جسدها

وللفراق في نظري إيجابيات كثيرة؛ إذ ليس كل ما هو سيئ سيئ بالمجمل، وكما قيل (وبضدها تتميز الأشياء) ولو لم يكن منها إلا السبب في تفجر العذب والرائع من الشعر لكفى، كما نرى في بيت الشاعر أحمد الناصر الشايع وهو من هو في عالم الشعر والوجد.


ألا ياونتاه الي من الفرقا برت حالي
كما بري (الدبى) الغصن الوريق اللي على حله

وكم من القصص التي لم يرصدها التاريخ المكتوب، أو المحكي حدثت وزلزلت وأبكت وصهرت القلوب وأذابت الأوردة وغيرت في معالم الملامح والأجساد لم يصلنا منها شيء، ولكن الشعر كأحد كتب التاريخ إن لم يكن أهمها رصد أحداثا تهم الإنسانية أكثر من المؤرخ غير المنصف، الذي ربما كان رصده لتاريخ أمة ما بناء على توافقه مع النافذين فيها أو خوفاً منهم أو طمعا فيما لديهم.


يا علي ما عينٍ بكت غايبٍ غاب
الا عليها من فراقه مضرة

وخارطة الشعر حافلة بالكثير من القصص الخالدة التي كان بطلها الفراق ومسرحها مُهج الشعراء أمثال (نمر بن عدوان) الذي ملأ الدنيا نحيبا وأغرقها دموعا وشعرا خلد قصة الشاعر وزوجته المحبوبة (وضحا). كيف للمفارق أن يهدأ وكيف له أن يتلذذ بالعيش وكل شيء يذكره بمن قاسمته الأنفاس والدقائق والنبضات وسكنت في القلب قبل الأيام بحلوها ومرها. حتى ليخيّل إليه أنها تقف أمامه شاخصة. كيف يهرب والمفقودة لها في كل ناحية أثر.. (أين يمضي هارب من دمه)..
الأبواب تتساءل عنها، والشبابيك تنتظر إطلالتها، والستائر تهتز منادية لها. يجدها في الماء والهواء وعناقيد الحب، ومواكب البهجة. ولنفترض جدلا أنه هرب من المكان الذي جمعهما فكيف يمكن أن يهرب من ذاكرته وذكرياته؟؟
وممن فجعوا بفقدان زوجاتهم مناحي الدوسري حيث رثاها قائلاً:


آه ويلاه من شين الخبر واستماعه
يوم جاني خبرها دمع عيني يهلي
يا وجودي عليها وجد راعي بضاعة
راس ماله طبع فالبوم جعله يولي
يوم حمّل من البحرين فلوا شراعه
وانتصف فالبحر والموج جاه متعلي
زايدة حملته ما عاد فيه استطاعة
سمّرت فوقه الأمواج والبوم خلّي
وقام يسقط شوي شوي واقفي لقاعه
غبة (ام الصخال) وذكرها شايعٍ لي
صاحوا اللي عليه ولا تهيا مناعة
لا رجالٍ تجرّ ولا حبالٍ تدلي
ميّتينٍ جميعٍ موت غبن وجزاعة
غلّهم هم وأهلهم ما يجي ربع غلي

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved