Friday 16th September,200512041العددالجمعة 12 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

آخر ما تفقدون من دينكمآخر ما تفقدون من دينكم
د.محمد بن سعد الشويعر

إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بين في الحديث الصحيح، عن أول ما يفقد المسلمون من دينهم وهي الأمانة التي جرى فيها حديث سابق، فإن من استكمال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان آخر ما يفقد المسلم من دينه: وهي الصلاة. وهذا يدل على أن شيئاً فُقِد آخره، لم يبق منه شيء.
وما ذلك إلا لعظم مكانة الصلاة عند الله سبحانه، لأنها صلة بين العبد وربه، وقد فرضها الله على جميع الأمم، وحث أنبياؤهم عليها، دعوة وتأكيداً، ودين الإسلام هو دين أنبياء الله جميعاً، الذي أمرهم ربهم، بالتأكيد على أممهم لأدائها في أوقاتها، فصارت عمود الإسلام، فكأن الإسلام يتمثل أمام الإنسان بخيمة مبنية ومرتكزة على عمود يرفعها، فمتى سقط هذا العمود، تقوضت الخيمة، وبركت على الأرض، فلا يستفاد منها، ولا احتمى الإنسان: من حرّ أو قرّ أو مطر.. إذ لا نفع ولا فائدة من الخيمة بدون العمود الذي ترتكز عليه ويرفعها، ومع ذلك فإن الصلاة: نور في الوجه، وسعة في الرزق، وبركة في العمر.
فكذلك تارك الصلاة، يصبح خاوي الوفاض في دينه، متجرداً من رابطة الإيمان، لأنه ضيع آخر مرتبة في دينه وهي الصلاة، وما ذلك إلا أنها ذات شأن في دين الإسلام، وأهمية لا تعدلها أهمية.
فقد أخبر صلى الله عليه وسلم: أن أول ما يسأل عنه العبد في قبره بعد ما ينتقل للدار الآخرة، ويُودَع القبر الصلاة، فإن صلحت صلحت أعماله الأخرى، وإن فسدت فسدت أعماله.
وهذا برهان على عظم مكانة الصلاة في سجل الأعمال، حيث جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عنوان إيمان العبد، ويشهد له بالإيمان بمقدار محافظته على الأعمال الطيبة، وفي مقدمتها الصلاة حيث قال: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان).. ومن يعتاد المساجد فإنما جاءها وحرص على التردد عليها، من أجل أداء الصلاة، لأن أثقل الصلاة على المنافقين: العشاء والفجر، وقد بشر الله المشائين إليها بالجنة, وتمكين هذه الدلالة في كتاب الله، يوضح جل وعلا في السورة الكاشفة لأعمالهم بعد الأمر بقتال المشركين، وبعدما تنسلخ الأشهر الحرم، والتشديد في ذلك، بأن يقعد المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم كل مرصد، إلا أن يتحقق فيهم قوله تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ.. } (5) سورة التوبة, ثم في آية أخرى بعد هذه من سورة التوبة جاء بأن المشركين لا عهد لهم ولا ذمة، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، لأنهم معتدون يرضون المسلمين بأفواههم، وتأبى قلوبهم، مما يوجب الشدة عليهم إلا أن يتحقق فيهم قول الله سبحانه: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ }..(11)سورة التوبة, فجعل سبحانه الصلاة ورديفتها الزكاة عنواناً لثبوت الإيمان.
فصارت التوبة من الشرك والأعمال الأخرى السيئة مقترنة مع أداء الصلاة والزكاة، والمحافظة عليهما، وقد كانت الصلاة أماناً للنفوس، وحفاظاً لها عن التخلق بصفات المشركين، وتركها والإعراض عنها عنوان الشقاوة الأبدية، والعذاب الأليم، فيأتي مشهد من مشاهد يوم القيامة، ليتساءل أصحاب اليمين، بعد فوزهم برضا الله وجنته عن المجرمين في الدنيا، بقولهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ}، يعني ما أوصلكم إلى جهنم؟ فأجابوا قائلين: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}سورة المدثر (42 - 43).
فكان المحافظون على الصلوات في أوقاتها مبشرين بالنعيم وبالرضا من الله، لأن محافظتهم عليها، علامة إيمانهم، واهتمامهم بدينهم، وتركها علامة شقائهم وكفرهم، أما التهاون فيها، والمراءاة فيها فهي من علامات النفاق، لأن المنافقين الذين أخبر الله عنهم، بأنهم في الدرك الأسفل من النار، ولا ناصر لهم، قد أخبر عنهم أنهم يأتون الصلاة، لكن بكسل، ومراءاة للناس لأن عملهم من الكفر: {وَمَا مَنَعَهُمْ أنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} (54) سورة التوبة.
فجميع أنبياء الله يحافظون على الصلاة، ويوصون بها، لمكانتها في الرابطة مع الله سبحانه، لأنها صلة بين العبد وخالقه، وهي أفضل العبادات التي يحبها الله جل وعلا، وسورة الفاتحة، توضح أنها مناجاة بين العبد وخالقه، كما جاء في ذلك حديث في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي تفسير سورة الفاتحة عند ابن كثير وغيره.
ومن هنا جاء الحث على الخشوع فيها، لأن الخاشع مقبل على الله بقلبه، فيقبل الله عليه, واللاهي منصرف بقلبه عنها، فينصرف الله عنه.. وندرك من ذلك أهمية حضور القلب عند أداء الصلاة لأن الشيطان حريص على أن يفسد على المصلي صلاته، وإلهائه عنها بالوسوسة، والتذكر لأشياء، ما كانت تخطر له على بال، كل هذا حسد من عدو الله بإفساد الصلاة على العبد، حتى يضيع أجره، ويرجع من صلاته بدون حصيلة: حاضر الجسم، لاهي القلب، حتى يضرب بها وجهه، فتقول صلاته: ضيعك الله كما ضيعتني.
ولمكانة الصلاة كانت من أوفر العبادات ذكراً في القرآن الكريم، إذ جاءت أكثر من مائة مرة، ولذا كانت لا تسقط عن المسلم مهما كانت حالته، في الصحة أو المرض، في السفر أو الحضر، إلا أن الله جلت قدرته خفف عن الناس: ففي السفر وحالات من المرض، تجمع الصلاتين في وقت إحداهما وتقصر الرباعية، ولأن الطهارة ضرورية، فإذا عدم الماء أجزأ عنه التيمم بالصعيد الطيب، وهذا من خصوصيات أمة محمد، ورأفة من الله بهم.
وفي حالة الخوف والحرب، بين الله في سورة النساء: كيفية أدائها على فرقتين، مع الحذر والمحافظة على السلاح حتى لا يهجم عليهم العدو، مغتنماً انشغالهم بالصلاة (سورة النساء آية 102).
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لواحد من الصحابة كيفية صلاة المريض بقوله الكريم: (صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب، فإن لم تستطع فمستلقيا)، قال العلماء بأن يجعل وجهه في الحالات كلها باتجاه القبلة إلا المستلقي لأن وجهه إلى أعلى، فإنه يجعل رجليه جهة القبلة، وعللوا ذلك بأنه لو قدر له القيام، فإنه يكون مستقبلاً القبلة.
والشيطان حريص على تثبيط الناس عن الصلاة، وخاصة الجماعة، بمشاغل متعددة ليلهيه ويصده عن أدائها في وقتها، أو مع الجماعة، ولذا فإن الواجب على كل فرد أن يحرص عليها، ويؤديها في وقتها ومع جماعة المصلين لأن ذلك أعظم أجراً، وأطهر للقلب، ولما في ذلك من المحبة والترابط والتكافل بين جماعة المسجد، والتواصل فيما بينهم، أما فوائدها الصحية والنفسية فهي كثيرة جداً، حتى أن أحد أطباء فرنسا جعلها علاجاً للروماتيزم وغيره.
من كرائم النساء:
جاء في كتاب العقد الفريد، لابن عبد ربه: أن يعلى الهزلي حدث، قال: كنت بسجستان مع طلحة الطلحات، فلم أر أحداً أسخى منه، ولا أشرف نفساً، فكتب إلي عمي من البصرة: إني قد كبرت، ومالي كثير، وأكره أن أوكله غيرك، فأقدم أزوجك ابنتي وأصنع بك ما أنت أهله.
فخرجت على بغلة لي تركية، فأتيت البصرة في ثلاثين يوماً، ووافيته في صلاة العصر، فوجدته قاعداً على دكانه، فسلمت عليه، فقال لي من أنت؟ قلت له: ابن أخيك يعلى، قال: وأين ثقلك؟ قلت: تعجلت إليك حين أتاني كتابك، وتحركت نحوكم، قال: يا ابن أخي، أتدري ما قالت العرب؟ قلت: لا. قال: قالت العرب: شر الفتيان المفلس الطروب، فقمت إلى بغلتي، فأعددت سرجي عليها، فما قال لي شيئاً، ثم قال: إلى أين؟ قلت: إلى سجستان. قال: في كنف الله.
فخرجت فبت في الجسر، ثم ذكرت أم طلحة، فانصرفت أسأل عنها، حتى أتيت منزلها، وكان طلحة أبر الناس بها، فقلت: رسول طلحة، فقالت: ائذنوا له، فدخلت فقالت: ويحك كيف ابني؟ قلت: على أحسن حال، قالت: فلله الحمد، وإذا بعجوز قد تمددت. قالت: فما جاء بك؟ قلت: كيت وكيت.. وذكرت قصتي مع عمي، قالت: يا جارية ائتيني بأربعة آلاف درهم، ثم قالت: ائت عمك فابتن بابنته، ولك عندنا ما تحب، قلت: لا والله لا أعود إليه أبداً.
قالت: يا جارية ائتيني ببغلة رورحالة.. ثم قالت: راوح بين هذه وبغلتك، حتى تأتي سجستان.
قلت: اكتبي بالوصاة بي، والحالة التي استقبلتها.
فكتبت بوصفها التي كانت فيه، وبعافية الله إياها، وبالوصاة بي، فلم تدع شيئاً، ثم دفعت حتى أتيت سجستان.
فأتيت باب طلحة، وقلت للحاجب: رسول صفية بنت الحارث، وأنا عابس باسر، فدخل وخرج طلحة متوشحاً وخلفه وصيف يسعى بكرسي، فقمت بين يديه، فقال: ويلك كيف أمي؟ قلت: بأحسن حالة.
قال: انظر كيف تقول؟ قلت: هذا كتابها، فعرف الشواهد والعلامات، قلت: اقرأ كتاب وصيتها. قال: ويحك ألم تأتني بسلامتها؟ حسبك. فأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال لحاجبه: اكتبه في خاصة أهلي.
قال: فوالله ما أتي علي حول، حتى تم لي مائة ألف.
قال ابن عياش: فقلت له: هل لقيت عمك بعد ذلك؟ قال: لا والله ولا ألقاه أبداً.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved