(1) أزعم بدْءاً أن البيروقراطيةَ (وحشٌ) بلا أنيابٍ قابلٌ ل(الترويض) ليصبح (أليفاً) يتفاعل إيجاباً مع احتياجات الناس وتطلّعاتهم، وفي هذا القول (مخالفة صريحة) لما يُلصَقُ ب(البيروقراطية) من شبهات وظنون تسيءُ إليها وإلى الممارسين لها! ** * لكن البيروقراطيةَ في تقديري المتواضع حالةٌ نفسية قبل أن تكون سلوكاً إدارياً، ومن ثم، يمكن إخضاعُها لسيطرة العقل وإرادته، ولو كانت البيروقراطية شيئاً غير ذلك، لما طُرحِتْ اليوم، وقبل اليوم، قضية يأْرقُ لها المفكّرون! ** * أقول إنها حالة نفسية، مستهدياً في ذلك باختلاف الناس حولها، فهْماً وتشخيصاً وعلاجاً: * فهناك مَنْ يرى أن البيروقراطيةَ شرٌّ كلُّها، والحلُّ عنده هو اجتثاثُها من الإدارة، فلا يبقى لها أثرٌ ولا ذكرٌ، وهذا موقف (رومانسيّ) أحاديُّ الرؤية يقيس الأمورَ بلونيْن لا ثَالثَ لهما، إمّا (أبيض) أو (أسود)! ** * وهناك مَنْ يرى أنَّ البيروقراطيةَ ليستْ شراً إلاّ عندما نريدها نحن البشرَ أن تكونَ كذلك، سواءً كنَّا (مستهلكين) للخدمة أو (فاعلين) لها، فالرجل منا أو المرأة، قد يتمنَّى أن تُقْضى حاجتُه في زمنٍ قياسي، دون قيدٍ ولا قاعدةٍ، ويرون في هذا وذاك شرَّاً مستطيراً يعطِّل مصلحَته أو مصلحتَها، ويعوقُ حاجته، وينسى في غمرةِ احتجاجه، أنَّ القيودَ والقواعدَ ما وضُعِتْ في الأصل إلاَّ لترتيب المصَالح العامة وتقنينها، فلا يُهدَرُ حقّ لصالح باطل، ولا يُظلم امرؤ لحساب آخر، ولولا هذه القيود والقواعد، لسَادَ الظلمُ.. وعمَّت الفوضى! ** * من جهة أخرى، ما برحتُ متفائلاً بأنَّ التقنيةَ الحديثةَ قادرةٌ على تحسين (سمعة) البيروقراطية، وجعلها أكثر استجابةً لاحتياجاتهم، لكنّ هذه التقنيةَ لا تستطيع وحدها أن ترْدمَ الفجوة بين البيروقراطية والناس، وفي الوقت نفسه، مطلوبٌ من (المستهلكين) ل(البيروقراطية) أن يكفُّوا عن الظنّ بأن غيابها أو (تغييبها) سيُنهِي ما في الصدور من إحباط وقلق وسوء ظن، أو أن التقنيةَ ضالّة الخلاص ممّا يعانون! ** * وبمعنى آخر، تظل البيروقراطية في التحليل الأخير، وسيلةً لا غاية، إنْ أحسنّا الظنَّ بها والتّعاملَ معها، أحسَنَتْ إلينا، وإنْ أسأْنا إليها، بَارتْ وبادلتْنَا السوءَ بمثله! والتقنيةُ الحديثةُ، وعلى رأسها سيّدُها المبجّل (الكومبيوتر)، لا تستطيع بأيّ حال أن تلغيَ الحاجةَ إلى القواعد والضوابط والنماذج التي يتطلّبها أداءُ أيّ خدمة، وخلاف ذلك يعني الفوضى التي لا حولَ لنا عليها، ولا حيلةَ لنا فيها!! ** (2) * أينَما تولِّ وجهكَ شطر المغرب أو المشرق، تَلْقَ نماذجَ من (ضيف) حديث اليوم، وأود أن أؤكد في هذا السياق أنني لا أعني به شخصاً معيّناً في زمان أو مكان أو ظرف بعينه، فالله سبحانه وتعالى خلق الناس أشْتاتاً متباينين في الأشكال والأسماء والصفات، ثم تتولَّى مجتمَعاتُهم عَبْر آلياتِ التربية وحيْثيّات الزمان والمكان والتقنين العُرفي تشكيلَ وتطبيعَ شخصيّاتِهم على نحو أو آخر! ** * منهم العبقريُّ المِعطاء في القولِ والعملِ! * ومنهم المختَال الفخور، ب(طاوسيية) أصلها وفرعها وجذورها في الأرض. * ومنهم ممّن يستمعُ إلى (القول)، فيتّبع أسْوأه، لا لقناعةٍ بما سمع، لكن حباً في (التقليد) كيلا يصفَه أحدٌ ب(التّخلف). * ومنهم المحبُّ للناس، المتفاعلُ معهم والقريبُ منهم، يكره ألاّ يحبُّوه، ويحبُّ ألاّ يكرهوه، ويشْقى أو ينعم بمحصلة هذا أو ذاك! ** * وضيفُ حديث اليوم شخصٌ (افتراضي) من الأجرام البشرية الأرضية التي تدور في فلك (تقليد) الآخرين، واتّباعهم حذْوَ القذة بالقذة، وهو فوق ذلك وقبل ذلك، مفتونٌ حتَّى النخاع بكل ما هو (غربي)، تفكيراً ومزاجاً، وأنماطَ سلوك!! ** * مثل هذا الصنف من البشر قد تلقَاه وسَط زحام، وقد يجاورُك في مقعد على متْن طائرة، وقد تُفَاجأُ به في اجتماع أو مجلس أُنسٍ، فيحادثُك حديثَ الغرباء.. وتظنُّ بادئ الأمر أن ما دار بينكما من حوار كان شأناً يسيّره العقل، لا سجالاً توجهه غريزة الفوز ب(الضربة القاضية).. لصالحه! وقد تتسع حدقتا عينيه.. وأنتَ تهمّ بالردّ عليه، لذا، لا تجد بُدّاً كلّما لقيت ذلك المخلوق في مجلسٍ من أن تصْطفيَ الحلم.. لتُنقذَ نفسَك من (معركةٍ) سلاحُها وساحتُها الكلام.. وتضْطَر في الختام أن تلوذَ بالصَّبر والصَّمت، مسْتَهدياً بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقُلْ خيراً أو ليصمتْ)!
|