الثنائية الأصعب في قاموس الشهود الحضاري المعاصر (2-2)
أشرت في نهاية مقال الأسبوع الماضي إلى أن المؤمل أن يترجم الحوار حول موضوع (نحن والآخر) إلى نهج وطني متكامل نحو بناء أفق أوسع في الانفتاح المتزن والعطاء الفاعل لثقافتنا الوطنية.. وتحقق ذلك مرهون بتوافر جملة من المنطلقات الأساسية التي تمثل في نظري معايير تحكمنا وتوجهنا بغية تحقيق الهدف الذي كانت هذه اللقاءات من أجله، ولعل أهمها: - ينبغي أن يكون انتماؤنا العقدي والوطني والثقافي حيا فينا على الدوام.. - أن نكون أصحاب حوار بشكل يذيب الجليد بيننا رغم اختلافنا في الرأي، إذ إن الرأي الذي يتقوقع على ذاته أو يتوارى ويتستر لا يمكن أن يكون رأيا إيجابيا فعالا.. وثقافتنا الإسلامية التي نفتخر بالانتماء لها لا تدفعنا إلى الانزواء بل تجعل منا أصحاب عطاء وبناء. - يجب أن نهدف جميعا للمراجعة من خلال المصارحة والمواجهة القائمة على الحوار الدائم والتدافع السليم الذي أساسه فكر، وقوامه فكر، وعطاؤه فكر، والأدوات التي يمكن للجهات الفاعلة في الحقل الثقافي استعمالها بحرية حين الحوار هي أدوات فكرية محضة. - إن الذات والآخر ليسا جسدين منفصلين - محليا - بل هما متلاحمين بما يكفل التعايش والتكافل والتآزر والاحترام المتبادل للدفاع عن المرتكزات والسعي إلى المشاركة في صناعة الحاضر وتطويره مستقبلا في ظل خصوصيات للذات تميزها عن الآخر داخل مناخ التلاحم والتكافل والتآزر.. كما يتميز هو الآخر في خصوصياته عنها بشكل يغني تعدد التعبير الثقافي، ويساهم في تماسك النسيج الاجتماعي. - إن علينا واجبات مثل ما أن لنا حقوقا، وأي حضور في الوسط الاجتماعي والثقافي المحلي لا يمكن البتة أن نعتمد فيه بالأساس على كثافة الكم، وتوافر النية للثأر أو النيل أو التربص، وإنما ينبغي أن نقيسه بمعياري الدين أولا ثم المصلحة الجماعية والأخلاق والسلوك الفردي.. أي بمعيار الثقافة العامة ومدى تأثيرها على سلوك الواحد منا. - يجب ألا نعارض التنوع الثقافي، فوحدة الثقافة لا تعني وحدة التعبير الثقافي.. الأصول والمرجعيات واحدة.. ولكن الرؤى والأطروحات متباينة.. وتلك خاصية من خصائص ثقافتنا التي تبقي ألوان التعبير الثقافي والاجتماعي المتجانس مع تعددها وتنوعها الطبيعي الناتج عن تعدد الآراء وأنماط الحياة ليس هذا فحسب بل إن مرجعيتنا الأساسية تفسح للثقافة مجال التطور وتمكنها من النهل الواعي من ثقافة الآخر.. * إذا ما نظرنا إلى الثقافة على أنها نشاط إنساني ينطلق فيه المثقف من منطلقات نظرية معينة (تسمى المرجعية) تكون له سندا في فهم الرؤى والممارسات فإنه يتعين الأخذ بمفهوم النهج الواسع الذي يشير إلى أن المبادئ النظرية والإجراءات التي بها نطرق أو نتناول قضية أو مشكلة واقعية باحثين لها عن حل أو تطور ينبغي أن يتضمن هذا جملة من الاهتمامات والاقتراحات والأهداف والإجراءات التي تأتي كوحدة واحدة على قدر من الاتساق النظري والقابلية للتطبيق حسب معطيات الواقع.. حينئذ فقط تتحقق فائدة الشفافية الموسومة بالوعي والاتزان، وإذا ما غاب عنها الاتساق النظري في رؤية كل الأبعاد ذات العلاقة بالمشكلة أو القضية المطروحة أو غلبت عليها سمات التجزؤ أو الانقطاع أو غاب عنها سلامة الوعي ووضوح الرؤية، أو غابت عنها الدراسة المتأنية والتفكير الطويل لطرح بديل متكامل وواضح لقضايا التطوير.. أصبحت ضبابية الرؤية في ذاتها ذاتية الهدف والغاية.. ومن ثم نفت الرؤية عن نفسها صفة الشفافية. - على الرغم من أن المجتمع يقصد به الكيان الموحد إلا أنه في الوقت نفسه يشير إلى جمع من الأفراد والقوى الثقافية التي تختلف فيما بينها.. حيث ينشأ لكل منها أهداف وطريقة في التناول ومصالح فرعية خاصة بها، قد تختلف أو تتناقض مع مصالح القوى الأخرى الاجتماعية، ويمثل ذلك مصدر الديناميكية ومن ثم مصدرا لحركة التطوير.. الأمر الذي يعني أن المجتمع دائم الحركة والتغيير في دائرة المسموح به شرعا.. وهو كذلك بقدر ما يتطلع أعضاؤه وقواه المكونة نحو المستقبل.. حينئذ يعتبر الاختلاف المعبر عن الرؤى ثراء لفكر المجتمع ومحققا للمصلحة الجماعية المحلية، ودافعا لمسيرة الحركة المجتمعية، ونجاح الحوار في تحقيق ذلك مرهون بشرطين أساسيين: الأول: وضوح الفكر والتعبير، ويكون التعبير سليما حين يكون صحيح المرجعية، وينطلق من الواقع ليس من مثالية الذات، ويكون علميا بقدر ما يصف الوقائع كما هي لا يحرفها، ويؤدي ذلك إلى اكتشاف التناقضات بين القوى المختلفة بوضوح فتعميق طرح القضية أجدى من الحل السطحي الآني. الثاني: إطار ثقافي حر منضبط بضوابط الشرع يتم من خلاله الحوار المحلي الواعي الذي به يتحقق اندماج اجتماعي قائم على تحديد أبعاد الاتفاق بين القوى المختلفة، وحق كل قوة في التعبير عن نفسها.. وساحات الحوار السعودية اليوم التي يتنقل بها بين مناطق المملكة العربية السعودية ويرعاها بصورة مباشرة مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني مرشحة وبقوة للقيام بهذا الدور.
فاكس: 065436304 |