Monday 19th September,200512044العددالأثنين 15 ,شعبان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الاغتراب بين السلفية والحداثةالاغتراب بين السلفية والحداثة
د. عبد الرحمن الحبيب

الصراع أو التفاعل (سمِّه ما شئت) بين القديم والحديث مسألة طبيعية تحدث في كل المجتمعات، في العقليات والأفكار والإدارات والنظم.. والجدل بين القديم والحديث مسألة صحية إذا تم بطريقة سلمية.
المحافظون على القديم يرون أن أفكار وأساليب الوضع السابق هي وحدها المناسبة، باعتبارها نجحت على مر السنين، وأن أي تغيير هو بمثابة تهور ويشكل خطورة على أمن المجتمع وأخلاقياته، بينما المتحررون من الماضي يرون ضرورة التقدم لمجاراة الواقع المتغير، فالماضي له واقعه الخاص به ولا يمكن أن يكون المجتمع أسيراً له.
وفي كثير من الحالات ينتج عن التصادم بين دعاة القديم والحديث مزيج منهما يدفع بالحراك الاجتماعي إلى بعد جديد، قد يوفق ما بينهما أو يرجح كفة أحدهما منتجاً دفعة إلى الأمام.
الإشكالية في مجتمعاتنا العربية ليست في الصراع بين القديم والحديث، طالما أن هذا الصراع مسألة طبيعية في كل المجتمعات، إنما الأزمة أن هذا الصراع يدور منذ مائة عام ونيف، ولا تزال الأسئلة والإجابات هي ذاتها، والوضع الحرج هو ذاته، لأن كل طرف في هذا الصراع يعاني من أزمات حادة تجعل منه غير مقنع وغير قادر على طرح مشروع واقعي تطبيقياً.
كيف؟
بعد الاستعمار ظهرت في العالم النامي سيطرة النموذج الغربي للتحديث، وقامت في البلاد العربية الفئات المحافظة (تقليدية، سلفية، أصولية..) برفض قطعي لهذا النموذج، فهي ترى فيه غزوا فكريا يلغي هويتها وينكر خصوصيتها ويسحق ذاتيتها ويدمر المؤسسات الاجتماعية التقليدية، ومن ثم يحولها من مجتمعات مستقرة إلى كيانات ممسوخة غير قادرة على البقاء إلا تابعة للقوى الأجنبية (الغربية)، وعليه فهذه الفئات تحافظ على القيم والقناعات والأنماط والمؤسسات القديمة وتدافع عنها بضراوة، رافضة التغيير إلا لضرورة من أجل البقاء.
وتكمن الأزمة هنا، في بقاء تلك الفئات في الماضي وقطيعتها مع الحاضر مما يفضي إلى تراجعها حضاريا وعدم قدرتها على مواكبة العصر.
وعلى النقيض، ظهرت فئات حديثة (عصرية، حداثية، ليبرالية..) اقتنعت بنموذج الحداثة الغربية باعتبارها المجال الوحيد للتطور والتفوق وبناء مجتمع متماسك ودولة قوية، حيث ثبت لديها أن الأفكار والأساليب القديمة فشلت وأدت بنا إلى هذا التأخر والتدهور. والإشكالية هنا هي قطيعة هذه الفئات مع الماضي والثقافة المحلية، مما يوقعها في أزمة هوية وتشويش كثير من نظرة الجماعات المحلية لذاتها، وأزمة تشكيل مؤسسات اجتماعية جديدة مقابل المؤسسات التي تطالب بإزالتها أو تطويرها.
الفئة الأولى (السلفية) تتمتع بقدرة هائلة على إقناع العموم، لأنها قريبة من العقلية والمنهجية الشعبية، وتتداول نفس الخطاب الثقافي التقليدي من فكر وآداب وفنون وعلى نفس المستوى الاجتماعي، وهي الأقدر على تبني الهموم الشعبية نظرياً، ولكنها مسكونة بالارتياب من التقدم التكنولوجي، والخصومة (أو العداء) مع الآخر، وضعف الاطلاع على الثقافات العالمية، مما يجعلها في حالة بلبلة وعدم استقرار نتيجة الصراعات مع الخارج من حروب ومقاطعات، أو الصدامات بين الفئات الداخلية ذات الرؤى المختلفة (طائفية، قبلية، مناطقية..).
بينما الفئة الأخرى (الحديثة) تتمتع بقدرة جيدة على مواكبة العصر والتعاطي مع التقدم التكنولوجي، والانفتاح على الثقافات العالمية، والتعامل مع الآخر المتفوق وإمكانية استقرار العلاقة معه وتراهن بقوة على المستقبل، لكنها مغتربة في الداخل وتتداول خطاباً ثقافياً نخبوياً لا يفهمه غالبية العموم، وإن فهموه قد لا يثقون به. وتغدو الفئات الحديثة مهمشة وبعيدة عن الناس، رغم أن الحكومات تحتاجها تنظيمياً وإدارياً وثقافياً لما لها من كفاءة تكنوقراطية وصياغة برامج عصرية، لذا تلجأ كثير من الحكومات إليها كما يحدث في الأزمات الاقتصادية لطرح برامج عمل إسعافية، وكما في أزمات السياسة الخارجية لحسن مخاطبة الآخر ثقافياً وإعلامياً وسياسياً.. وبالمقابل، تلجأ كثير من الحكومات للفئات المحافظة كما يحصل في الأزمات الداخلية، فهي الأقدر على مخاطبة الجماهير والتأثير على عواطفهم..
الفئتان في مأزق! كلاهما تعيشان حالة اغتراب حادة، الأولى تقاطع العصر والثانية تقاطع الماضي.. الأولى مغتربة عن الزمن الواقعي والثانية مغتربة عن المجتمع الواقعي.. ثمة واقع مغيب هنا وهناك.. وكلتاهما لا تزالان تعيشان صدمة الحضارة مع الغرب.. ثمة وَهْمُ الثنائية أبيض وأسود.. وَهْمُ إيديولوجي قطبي.. معي أو ضدي.. وَهْمُ أن أحد الطرفين يملك مسبقا جميع الإجابات والحلول.. فخ الأدلجة والتنظير البحت.. ودون انزياح هذه الأوهام والتعاطي مع الواقع المعاش، والدخول في التنظير التطبيقي والمنهجية العلمية المنظمة والعقلية النقدية، وطرح برامج عمل فعلية قابلة للنجاح سيظل الصراع عقيماً وسيستمر الاغتراب بين التقليد والمعاصرة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved