إن الأمم حينما ترتقي تحقق الشمول في طموحاتها وإنجازاتها، إما أن تتقدم وتنجح في جوانب وتخفق في أخرى، فإنّ ذلك يعيق مسيرتها التنموية .. والنمو يؤدي إلى التوسُّع في كلِّ أبعاد الحياة ولا سيما في النمو السكاني .. والأمم الواعية الجادة، تسير وفق خطط تحقق طموحاتها، وإذا فقدت سبل التخطيط في مشروعاتها الكلية أو الجزئية، شيئاً من مقومات نهضتها، فإنّ ذلك يحدث خللاً في مسيرتها بعامة .. * ولا أذهب بعيداً إذا قلت إنّ حركة المرور في كلِّ قطر وفي كلِّ مدينة، إذا فقدت الانضباط، فإنّ الفوضى تنداح في حياتها، وتتأثر الحياة بهذا الخلل الذي في أحيان كثيرة لا يحسب له حساب، رغم أنّ الآثار السلبية والسيئة تقع كلّ يوم، بل كلّ ساعة، وتؤدي إلى خسائر في الأرواح وخسائر في الأموال، ويصبح، أو هو قد أصبح، دور المرور بلا روح، لأنّ الأداء غائب، والذي يسير في شارع وفي وطن؛ المرور فيه غائب يدركه الرعب إذا كان يمارس قيادة مركبة أو راكباً سيارة أجرة أو خاصة يقودها غيره، يرعب مما يرى، وربما مال إلى عدم تصديق ما شاهد ويشاهد من هذه الأمور العبثية أمامه وحوله، وليس لها شيء من انضباط، ويتصوّر أنّه في بحر مائج فيه (القروش)، وهو لا يحسن السباحة وليس بيده شيء يدافع به عن نفسه أو ينجو مما يرى ويشاهد ويعايش .. * لست في حرج إذا قلت إنّه ليس عندنا شيء اسمه - مرور فيه انضباط وكبح لما يجري من فوضى عارمة تصل إلى حد الجنون، والذي يسير في جانب منها يستلطف الله أن يوصله سالماً إلى مقر عمله ويردّه إلى أهله معافى. * أقرأ في صحافتنا أخباراً عن آليات لضبط الشارع المروري ووسائل شتى في هذا البحر المتلاطم بمئات الآلاف من المركبات فيها الكثرة التي لا تحسن القيادة، وما أكثر المتهورين في الشارع المروري من شباب لا يعي ما يمارس، لأنّ قوى في داخله تدفعه إلى ما يشبه الجنون، وحوله أمثاله من سائقي سيارات الأجرة وفوضاهم العارمة المحزنة، التي لا ترى لها مثيلاً في أرض الله الواسعة، وأتساءل: هل بلادنا بدع من هذا الكون العريض!؟ والتي أكثر من فيها دفعتهم الصدف وحصلوا بأقل من خمسمائة ريال على رخصة بلا شروط وخبرة، ليندفعوا في شوارعنا بلا هوادة ولا احتياط، لأنّهم أمنوا العقوبة وافتقدوا الرقابة فمارسوا ما حلا لهم ما دامت الحال كما هي أمامهم فوضى عارمة .. وألمح في هذه الوقفة إلى قضيتين هامتين هما في مقدمة الفوضى المرورية، إنّهما السرعة وكسر إشارات المرور، التي ينبغي أن يعاقب مرتكبوها بأشد العقوبات ليرعووا، لأنّه يعرِّض غيره لموت محقق ظلماً وعدواناً .. * في كلِّ بلاد الدنيا التي رأيت، رجال المرور وضباط المرور عنوان الشارع العام، كلّهم قدرات وأداء ومحاسبة، لا هوادة في ذلك مع كلِّ الطبقات والأجناس .. والإدارة العامة للمرور عندنا وضباط المرور يدركون ما نقول، وهم قد سافروا ورأوا الانضباط المرروي هناك، لأنّ ثمة سلطة وعقاباً وعنفاً لمن لا يحترم نظام السير، ولا أدري: هل هم راضون عن حال بلادهم ومسؤوليتهم في شؤون وشجون المرور!؟ * لقد وجّهت للأخ الفريق مدير عام الأمن العام ثلاث حلقات في هذه الزاوية عن فوضى المرور في بلادنا قبل شهور، ولعلِّي أعذره لأنّه مهموم مع القيادة بما أحدثه مجرمو الإفساد في الأرض من تخريب وتقتيل للأبرياء، ولعلّنا اليوم وقد قضي على الفئة الضالة، أن نفرغ لحال مرورنا، وقد رأينا، بل إنّنا كلّ يوم نرى نشاط الأمن يصل إلى مخابئ الفساد وأوكاره ويقبض على من فيه، وإنّه لأداء يحسب لرجال الشرطة الساهرة المتابعة لهذه الأوكار، نرجو أن يتواصل عملهم حتى ينظفوا البلاد من الأذى .. وأرجو أن تمارس الحكومة دورها الجاد بأن هؤلاء الأنماط، يحال بينهم وبين العودة ثانياً، وذلك بتصويرهم بدقة حتى العيون، ويعمّم ذلك على السفارات حتى لا يعودوا مرة أخرى بجوازات جديدة وأسماء مختلفة، لأنّ بلادنا مثقلة بالكثير من هؤلاء الغثاء من البشر .. * وأعود إلى شجن المرور، لأقول: ماذا سنرى من إصلاح واستدراك لهذه الفوضى التي لا ضابط لها، وقد استشرت، لأنّها افتقدت الضبط والربط والعقاب والمتابعة، فعمّت البلوى، نسأل الله السلامةّ وأقول: هل من مرد إلى سبيل؟ نرجو الله أن يعيننا على أنفسنا وعلى الذين لا يبالون بالنظام والالتزام به .. والعبرة ليست بكثرة الكلام ولا بالوعود، وإنّما بالعمل، فلا قول إلاّ بعمل!
|