يشعر الإسرائيليون وكأنما الدنيا دانت لهم كما يصورون أنفسهم أبطالاً للسلام بعد خروجهم من غزة وهرولة دول عديدة، بضغوط أمريكية وغيرها، للتقرب منهم، ووسط هذا الشعور الزائف فإنهم يرون أن بإمكانهم استثمار هذه الأجواء من أجل تكريس هيمنتهم أكثر على فلسطين وأهلها، ولهذا فقد رأى إرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل أن بإمكانهم أن يتدخلوا حتى في خيارات الفلسطينيين وما ينبغي عليهم القيام به فيما يتصل بالانتخابات، ومن ثم فقد طلب منهم، فيما يشبه صيغة الأمر، عدم إشراك حماس في الانتخابات التشريعية مطلع العام الميلادي المقبل. وحجة إسرائيل هنا هي أن حماس منظمة إرهابية، وقد تفوه الإرهابي شارون ب(أوامره) هذه في ذات اليوم الذي كان فيه نفرٌ من اللبنانيين والفلسطينيين يحيون الذكرى ال23 لمذابح صبرا وشاتيلا التي حملت لجنة إسرائيلية مسؤولية وقوعها لإرييل شارون فهو الذي خطط لها ونفذها بالتعاون مع مليشيات لبنانية، لكن شارون لا يستحي، بعد عقدين من الزمان، وصف الساعين لاستقلال بلادهم بأنهم إرهابيون، بينما هو بشخصه يمثل إحدى قلاع الإرهاب في العالم. لكن شارون يقول بذلك وهو يعرف أنه يجد سنداً ودعماً من الدولة العظمى الوحيدة في العالم التي تتبنى نفس أفكاره المغلوطة التي تحاول إسقاط دمويته وبشاعته على الآخرين. كل ذلك يكرس لمفاهيم خاطئة، من خلال اعتبار إرهابي عتيد مثل شارون في مرتبة صانعي السلام، غير أن مثل هذا التوجه لن يفلح إلا في وضع العراقيل أمام السلام، فإذا كان شخص مثل شارون مسؤولاً عن قتل ثلاثة آلاف فلسطيني في صبرا وشاتيلا يترك طليقاً، بل ويردد زعماء دول وقادة أنه من صنّاع السلام، فإن الأزمة حقيقة تتعاظم في الضمير الإنساني الذي يستحيل مع تواتر هذه الصور الزائفة إلى ضمير زائف هو ذاته. ومع هذه الصور المشوهة للسلام يصبح من الصعب تبين أي أثر للجهود الصادقة التي تستهدف السلام، ويسهم ذلك بطريقة مباشرة في تعقيد الأزمات القائمة من خلال تجاهل المقومات الأساسية للسلام، ومن ثم تتفجر النفوس غضباً وحنقاً وتدور عجلة العنف لتقضي حتى على الإيجابيات المتناثرة هنا وهناك والتي كان من الممكن البناء عليها لإقامة صرح حقيقي للسلام.
|