هل تحس بنظرة تهميش لك في المجالس عندما تقول إن مهنتك هي التعليم مقارنة بالاحترام الذي يلاقيه أي موظف في أي قطاع آخر بداية من الدوائر الحكومية وصولاً إلى البنوك وشركة الاتصالات وغيرها من شركات القطاع الخاص؟ يؤلمني أن أنقل الإجابة ب (نعم) إليكم حسب عدد من معلمي المراحل المختلفة في مدارس مختلفة، فهذه (مصيبة) لا يسرني أن أكون ناقلاً لها، ولأنهم يقولون أنه إذا اشتدت المصائب فهذا دليل انفراجها فدعوني أضيف (من حزين الشعر بيت) تأكيد بعضهم أنه أصبح يخجل من التصريح بمهنته ليقول بدلاً من ذلك أنه من منسوبي وزارة التربية والتعليم!. تذكرت هذه الحقيقة المؤلمة وأنا أقرأ تعقيب الأخ خالد الرفاعي وهو من موظفي الإدارة العامة للتربية والتعليم بمنطقة الرياض في (عزيزتي الجزيرة) في التاسع من سبتمبر الجاري، حيث أبى إلا أن يسل قلمه الأنيق ويزين بأسلوبه البليغ تعقيباً على قرارات وزارة التربية والتعليم الأخيرة حول منع المعلم من الانتقال لمدة ثلاث سنوات، وكان ذلك انتصاراً من الرفاعي الموظف في مكتبه للمعلم اللاهث بين فصوله وممرات مدرسته بعد أن اشتكى المعلمون كثيراً من تجاهل القابعين خلف مكاتبهم لهمومهم ومشاكلهم فجاء الرفاعي ليثبت أن ليس كل القابعين واحد وأن هناك قابعين (يعلمون).. فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟! كتب الرفاعي رده ليثبت أنهم لا يستوون فهنيئاً للمعلم الكادح بأمثال خالد الرفاعي. أشار الرفاعي في تعقيبه إلى أهمية معاملة المعلم بوصفه ركناً أساسياً من أركان العملية التعليمية (الطالب + المنهج + المعلم) مضمناً بين السطور (من زاويتي على الأقل) ما يشير إلى خطورة ممارسات وزارة التربية والتعليم (التعسفية) واستمرار تجاهلها لهذه الأهمية والقيمة التي نالتها هذه الشخصية الرمزية: المعلم، مشيراً إلى النتائج الوخيمة التي من أبرزها على حد تعبيره (غياب المرجعية التربوية التي غابت بغياب المعلم الحاضر جسداً لا روحاً)، مما أعاد إلى ذهني ذلك النقاش بين معلمين حاضرين (جسداً لا روحاً) وخلصوا فيه إلى إحساسهم أنهم غير مرئيين في المجالس وأن بعضهم يخجل من مركزه الاجتماعي! وعاد إلى ذهني أيضاً أثناء تأملي في الموضوع حديثي في العاصمة التايوانية تايبيه قبل أشهر مع فتاة تايوانية حول الأوضاع الاقتصادية هناك، قالت لي (ابريل) أنها تلقت تعليماً جيداً رغم الصعوبة المادية لأن والدها كانا معلمين الأمر الذي يعني في تايوان إعفاءهما من دفع الضرائب حيث يقضي النظام في تايوان بإعفاء الجنود والمعلمين من دفع الضرائب التي تشكل أحد أكبر أعباء الحياة في تايوان!. يطيب لي هنا أن أعرف كم هو عدد أولئك الذين لم تثر فيهم هذه المعلومة إلا الدهشة والتساؤل:( وش العلاقة بين المعلم والجندي؟!)، أتمنى أن يكونوا قلة! واستعرضت في ذهني بعد فراغي من قراءة تعقيب الرفاعي الكثير الكثير مما قرأته حول هموم المعلم بين مطرقة صعوبات المهنة التي فرضتها طبيعتها قبل أن تأتي أنظمة المعارف والتربية والتعليم (ثلاثتها) لتزيدها صعوبة، وبين سندان أعباء الحياة المادية وتكاليفها المرهقة، فتذكرت من تحدث كثيراً عن (الأربع وعشرين حصة)، ومن جف قلمه وهو يكتب عن (هيبة المعلم) التي ضاعت، ومن أشار إلى ثقل الإشراف اليومي في الطابور الصباحي والفسح والانصراف، ومن ملّ من رتابة (التحضير)، ومن سال ألماً يشتكي من جور النقل والتعيين. هذه التفاصيل المرهقة، المتعبة، المملة، والمؤلمة ما هي إلا أسطر تحت عناوين وخطوط عريضة تشكل ملامح الإطار العام لطبيعة تعامل الأنظمة التعليمية لدينا مع المعلم بالذات، إن ما يطرح في صحفنا حول هموم المعلم للأسف ينحصر في تفاصيل صغيرة تشتت الذهن والمجهود وتعيق الطموحات، ففي النهاية - وبتعبير إعلامي - لن يكون للأسطر أبدا (مهما كثرت) ذلك التأثير القوي الذي يحدثه العنوان بالخط العريض (مهما قلت كلماته). دعك من المطالبة بتأمين صحي للمعلمين والمعلمات الآن، وهم يمثلون (مع أسرهم) شريحة لا يستهان بها عدداً وقيمة في هذا المجتمع، هذا عدا أنهم أكثر المعرضين للأمراض لأسباب ليس هذا مكان ذكرها.. وإن كنت أظنه لا يخفى عليكم سبب أهم هذه الأمراض: الإحساس بالاضطهاد! دعك من المطالبة بالتأمين الذي سيحس المعلم معه بالأمان من فواتير المستشفيات الأهلية (الساخنة) في ظل (برودة) مواعيد المستشفيات الحكومية (المجانية) وأسرتها غير المتوفرة دائماً (بالمناسبة.. هناك تأمين صحي شامل للمعلمين والمعلمات وأطفالهم في تايوان أيضاً). لن أطالب بهذه الأشياء الآن لأني أعتقد أن السؤال الذي يجب أن يوجه إلى وزارة التربية والتعليم في هذا الوقت هو: متى نرى (جمعية المعلمين) أو هيأتهم أوسموها ما شئتم. المهم تلك الجهة التي يتكلم من خلالها المعلمون بصوت واحد. أو يكتبون مطالبهم ب (عنوان واحد وبخط كبير) لعل الأعين تراها ولا تستطيع أن تشيح عنها؟! متى تتجسد هذه الفكرة التي قرأنا عنها قبل زمن ثم اختفت أخبارها كأنما هي (المؤودة)؟. متى نرى هذه الجمعية ونعيشها حقيقة واقعة وبالآلية التي تضمن ألا يصل من خلالها إلا صوت المعلمين العاملين في الميدان وليس صوت المديرين والمسؤولين.. حتى لا نردد فيما بعد (فيك الخصام وأنت الخصم والحكم)؟ عندما تتحقق هذه الفكرة، وعندها فقط.. أستطيع أن أحصل على تعليم جيد لأبنائي كما هو الحال في قصة (إبريل) الفتاة التي تعيش في تايوان وهي نفس الدولة التي تعودنا أن نسخر منها كثيراً! وبهذه المناسبة.. أرجو ألا تتأثر فكرة إقامة جمعية المعلمين تأثراً سلبياً باسم هذه الفتاة.. فتغدو) كذبة إبريل!. بعد الفاصل: ليت أن وزارة التربية والتعليم عندما توجهت إلى شرق آسيا لاستيراد التجربة التعليمية اليابانية قامت أيضاً باستيراد الجوانب الإيجابية والمميزات التي تمنح للمعلمين هناك.. حتى لو كانت مميزات (تايوانية)!.
فهد الغريري |