الماء المقطر.. حقاً إنها لفتة كريمة، ونظرة صائبة، وفكرة عميقة، كنا لا نعيرها أي اهتمام.. ولا نجسّدها في أعيننا، وأمام أبصارنا، كانت في نظرنا تافهة، وغير ذات أهمية، وهي في الحقيقة والواقع.. سخرية، وألعوبة تجارية محضة.. ابتدعها الفكر المادي المستغل، وروّجها الإنسان الجشع وشجعها وأمدها بالقوة والانتشار في بلادنا المغفلون من البشر. هذه اللفتة أشار إليها الأستاذ (سمير شماء) في عدد مضى من جريدة المدينة المنورة وجسَّد أضرارها المادية علينا خير تجسيد.. ودعا بحرارة وصدق إلى تعطيل سوقها.. وتعريضه للإفلاس في بلادنا.. وهذه اللفتة التي عناها الكاتب الكريم هي (الماء المقطر) الذي نستورده بكميات كبيرة.. ونستهلكه عبثاً وتبذيراً وإسرافاً في غير محله.. والمقارنة التي أوردها في معرض حديثه بين قيمة الماء الذي نستورده، وقيمة البنزين الذي نصدره.. تظهر بوضوح نتيجة مذهلة.. تحير العقول والأفكار.. وتدعونا بحرارة إلى إيقاف هذا الجزء المادي العبثي الذي نزاوله في بلادنا، حينما نعلم أن (لتر) الماء الذي نستورده بطراً.. تساوي قيمته.. قيمة ستة (لترات) من البنزين الذي نصدره إلى أسواق العالم. شيء مدهش ومخيف والله إلى أبعد حدود الخوف، ومضحك في الوقت نفسه إلى حد البكاء.. فهل نحن بحاجة إلى مثل تلك الكميات الكبيرة التي نستوردها من المياه المقطرة؟؟ وبلادنا غنية بالمياه العذبة.. وكثيرة فيها مصادره ومنابعه!! أم هو البذخ والإسراف نمارسه على حساب مواردنا الاقتصادية؟! وهذه هي الحقيقة.. والحقيقة المرة أيضاً!! ميخائيل والناس
قرأت للأستاذ ميخائيل نعيمة فيما أذكر ما معناه.. أن في الناس أشواكاً لا نحس بوخزها وأذاها، إلا إذا اصطدمت المصالح والنعرات الذاتية ببعضها.. فمن الخير لمن كان يؤمن بأخوة الناس والتّقرب إليهم، أن يتجنب الاصطدام بمصالحهم، وأن يعتزلهم، إلا فيما ينفع ولا يضر وذلك مصدر الحب والإخاء، ومنبع التعاطف، وطريق التكامل الاجتماعي، الذي ينشده كل مجتمع بشري يهمه الالتزام بإنسانيته ومبادئه ومثله. ومن هنا تبرز حقيقة اعتزال ميخائيل في صومعته في (الشخروب) بلبنان، وتتضح مقاصده وأهدافه.. فلم يعتزل الناس في محراب العزلة، كرهاً في الناس، أو بغضاً للمجتمع، وإنما خشية الاصطدام بمصالحهم، والاحتكاك المباشر الذي قد يثير شرر البغضاء والحسد والحقد فيما بينهم. في رأيي أن الأستاذ ميخائيل، كان محقاً، وكان على صواب.. فهو وإن كان اعتزل المجتمع بالمخالطة والاحتكاك، فهو لم يعتزلهم بالإحساس والمشاعر، ولم يعتزلهم في الآمال والآلام، وما كتبه الكثيرة، ومغالاته الأكثر، إلا نبع من مجتمعه، وإلهام من وحي ذلك المجتمع. بيت من الشعر الشعبي
التائه اللي جاب البصري يقنه جدد جروح العود والعود فاني |
|