* تأليف:أبي بكر محيي الدين السّلطي - تحقيق:الدكتورة/ فاطمة بنت محمد السويدي - قراءة:حنان بنت عبدالعزيز آل سيف: الحب العذري الصادق العفيف قوة سماوية خارقة، تعمل عملها في قريحة الإنسان لتبدع من إنسانيته شعراً سامياً في حقائقه، متسامياً في دقائقه، فياضاً في معانيه، دفاقاً في مشاعره.وليس للحب العذري الصادق وصف، فليس فوقه شيء، ولا دونه شيء، وإنما هو كالهمة إذا بدت انطلقت كالشهاب في السماء لا تلوي على شيء، وقد تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الحب حينما قال لأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم: (أتعجبون من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيث) أو كما قال بأبي هو وأمي، كما وقف مصغياً مستمعاً لقصيدة كعب بن زهير رضي الله عنه، وهو يزفها إليه معتذراً ومتأسفاً على بادرة بدرت منه في حقه صلى الله عليه وسلم، وقد بدأ شاعرنا الفحل قصيدته الذائعة الرائعة بذكر محبوبته (سعاد) تلك المعشوقة العفيفة العذرية التي أوردت شاعرنا الموارد، ففاضت قريحته الشاعرية الوقادة بقوله:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم إثرها لم يغد مكبول
وأصغى صلى الله عليه وسلم لهذه القصيدة التي بلغت عنان السماء، فما كان منه إلا أن عفا عن شاعرنا المتبول المتيم وكساه بردته. وفي الأثر موقوفاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: (من عشق فعفَّ وكتم فمات مات شهيدا)، ولعمري فقتلى الهوى لا عقل ولا قود. يقول الأديب الأريب مصطفى صادق الرافعي في كتابه الرائد الصادق (أوراق الورد) ما نصه: (وما أحسب حبَّ هذا الشاعر وتلك الشاعرة قد كان في كل حوادثه إلا تأليفاً من الأقدار لهذه الوسائل بمعانيها، حتى إذا كُسيت المعاني ألفاظها، انبثقت كالنور، وصدحت كالنغم، وجاءت كإشراق الضحى، لتناسم الأرواح بعبارات صافية من روح قوية فُرض عيها أن تحبَّ، فلما أحبت فُرض عليها أن تتألم فلما تألمت فُرض عليها أن تعبّر، فلما عبّرت فُرض عليها أن تسلو). ولله درُّ تلك الأعرابية حين قالت:
أرى الحب لا يفنى ولم يفنه الألى
أحينوا وقد كانوا على سالف الدهر
وكلهم قد خاله في فؤاده
بأجمعه يحكون ذلك في الشعر
وما الحبُّ إلا سمع أذن ونظرة
ووجبة قلب عن حديثٍ وعن ذكر
ولو كان شيء غيره فني الهوى
وأبلاه من يهوى ولو كان من صخر
وما أجمل قول ذلك الشاعر الصادق العف النزيه:
ولقيت في حُبّيك ما لم يلقه
في حب ليلى قيسها المجنون
لكنني لم أتبع وحش الفلا
كفعال قيس والجنون فنون
وأمام ناظرىّ الآن كتاب فذ المباني، فريد المعاني، أسلفت لك عنوانه قبل قليل، ويقع في (335) ورقة من القطع الكبير، وهو من إصدارات مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية -جزى الله اليد القائمة عليه كل خير وفضل وهدى ورشد- وقد بذلت محققة الكتاب جهداً جهيداً في تخريج نصه، وضبط متنه، وتسطير حواشيه، وتهذيب هوامشه، فلله درها. وفي تعريف المحققة العفة النزيهة برسالة صُبابة المُعاني وصبّابة المعاني أشارت -حفظها الله تعالى- في تقديمها لهذا الكتاب أن هذه الرسالة اتخذت من الغزل العفيف الممتزج بالتصوف موضوعاً لها، ولهذا كان الحب هو محور هذه الرسالة التي تنقب عن سر الأسرار من جهة بينما تتناول الأوصاف والسمات الشائعة من جهة أخرى، واعتمدت على التجريد والرمز في مستوياتها الدلالية. وعن منهج المؤلف -رحمة الله عليه- وباعثه لوضع هذه الرسالة وهدفه من التحقيق فتقول المحققة -رعاها الله- (أما منهج الكاتب فهو المنهج التقليدي الذي سار عليه كتاب عصره، فرسالته كانت استجابة لطلب شخص ما، يشير إليه بقوله: (فريد الزمان، وبديع البيان... ضائع الاسم غيرة مني عليه... إني مجيبك إلى ما سألته مني) وهو يجتهد بأن تكون رسالته جديرة بالتقدير، لائقة بطالبها، فيعمد إلى تضمينها شتى فنون المعارف والموضوعات المقتبسة من المنطق والعلوم والفقه واللغة والأدب والنحو والبلاغة، لتكون موضوعاً يمكن عرضه من جديد.أما الباعث لوضع هذه الرسالة، واختيار هذا العنوان لها، فكان بسبب من (ديوان الصبابة) لمؤلفه شهاب الدين أحمد بن حجلة التلمساني، وبطلب من الذي قد سأله تأليفها. أما الهدف من الكتاب فهو المؤانسة والمجالسة) هذا وقد قسم المؤلف كتابه إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، وسبب قصر المؤلف كتابه عمداً على أربعة فصول، ما قاله في مقدمة كتابه وفحواه: (ولما كانت الطبائع أربعاً، ومعظم البراهين على المحبة أربع:
لي في محبته شهود أربع
وشهود لكل قضية اثنان
اخترت ولله الخيرة عملها أربعة أبواب). ومقدمة الكتاب في معنى بيان النفس، ويقسمها المؤلف إلى ست مقالات تدور حول معرفة النفس التي هي نقطة الدائرة، وهي من أوجب العلوم عند أصحاب التحقيق. يلي المقدمة الباب الأول ومضمونه عن العشق ورسمه، وحدوده وأسبابه وعلاماته بأصحابه، ويناقش في هذا الفصل آراء الحكماء ويقصد بهم فلاسفة اليونان. والباب الثاني في المحبة وأسمائها، وعلاماتها وآثارها، ويشرح الآراء التي ذكرتها المعاجم اللغوية، ويضيف إليها رأي ابن قيم الجوزية في كتابه (روضة المحبين ونزهة المشتاقين)، ويخلص مؤلف الكتاب السلطي إلى أن المحبة هي المعرفة ظاهراً وباطناً، وهذا الباب من أطول أبواب الكتاب بل هو لب رسالة صبابة المعاني. وأما الباب الثالث فهو فيما قاله الحكماء، ووافق عليه العلماء في الخلق والأخلاق وفطرة المولى الخلاق، وفيه يقسم أصحاب الرأي إلى قسمين: الحكماء والعلماء. وباب الكتاب الرابع فيمن استلب الهوى والعشق نفسه، حتى أسلمه المقدور رمسه، وهذا الباب بدوره ينقسم إلى فصلين وهما: الأول: فيمن عرف اسمه واشتهر في العشاق رسمه. الثاني: وهو في الأغلب أمره من كتاب طرائف الأخبار، وأخبار الطرائف، وكتاب الامتزاج للتميمي، وكتاب ديوان الصبابة لابن أبي حجلة. وأخيراً: في عشق ما سوى البشر، العشق المعنوي، وهو عشق الطيور والحيوان والنبات والأحجار، وفيه حكايات تكررت في الكتب السابقة، ويضيف إليها كتاب اختصار الكائنات للمعلم (أرسطو).
علىّ لربع العامرية وقفة
تُملّي عليّ الشوق والدمع كاتب
ولا وأبي العشاق ما أنا عاشق
إذا هي لم تلعب بصبري الملاعب
ومن مذهبي حب الديّار لأهلها
وللناس فيما يعشقون مذاهب
وهذا الحب العذري البدويّ العفيف سُمي بذلك نسبة لبني عذرة وعذرة هي قبيلة بدوية عريقة، ولعل الآخر يلحظ معي أن منشأ الغزل العذري النزيه هي البادية البعيدة كل البعد عن ترف وبزخ الحاضرة وزخرفتها، فكان هذا الحب نوعاً من التصوف والتقشف لأنه يعتمد على الدعامة النفسية، والركيزة الروحية. والكتاب شائق ماتع وقد أبدع فيه مؤلفه القول، فكتبه قلبه قبل أن يكتبه بقلمه، ثم جاءت الباحثة القديرة، والدكتورة النحريرة فاطمة بنت محمد السويدي- حفظها الله تعالى- لتخدم الكتاب تحقيقاً ودراسة وتعليقاً، فإذا الكتاب يمشي مختالاً متباهياً ويضم بين إهابيه كل قيّم ومفيد وفريد، ويتأبط بين جنبيه معلومات أدبية رائقة، ومعالم شعرية ذائعة، وعلامات نقدية زاهية.