Friday 7th October,200512062العددالجمعة 4 ,رمضان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"أفاق اسلامية"

الدكتور حسن أبو غدة أستاذ الفقه والسياسة الشرعية لـ( الجزيرة ):الدكتور حسن أبو غدة أستاذ الفقه والسياسة الشرعية لـ( الجزيرة ):
رمضان شهر عمل وسموّ وتواصل اجتماعي لا كسل وفضائيات

* الجزيرة - خاص:
أكد الأستاذ الدكتور حسن عبدالغني أبو غدة أستاذ الفقه والسياسة الشرعية بكلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض أن شهر رمضان شهر جدٍّ واجتهاد وعمل، وجهاد للنفس، لا شهر نوم وكسل وسهر الليالي أمام الفضائيات، ونوم طوال النهار، كما يفعل بعض الناس.
وقال الدكتور أبو غدة: إن علينا أن نستفيد من دروس شهر رمضان، ويكون لدينا الإحساس بالشفقة، والرحمة، وتفقد أحوال الفقراء واليتامى، لا أن يكون همنا المأكل والمشرب والعزائم.مضيفاً: إن (حمية) الصوم تحرر الجسم من الكثير من الأمراض، وتقيه - بإذن الله - من كثير من الميكروبات.. وقال أيضاً: علينا أن نستفيد من التعاضد الاجتماعي، والتسامي الروحي في هذا الشهر، لنجعل أيامنا كلها كذلك.
جاء ذلك في الحوار الذي أجريناه مع د. حسن عبدالغني أبو غدة عن الصوم، والدروس المستفادة منه، وبعض الأخطاء التي يقع فيها البعض في هذا الشهر الكريم.. وفيما يلي نص الحوار:
* في البداية نريد نبذة مختصرة عن فرضية الصوم، والدروس المستفادة؟
- الصوم فُرض في السنة الثانية من الهجرة النبوية، فرض الله تعالى صيام شهر رمضان، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، والتقوى في لغة العرب: لفظ مشتق من الوقاية، وهي تعني: حفظ الشيء، وصيانته عن الأذى، والحيلولة بينه وبين المكروه والضرر، وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي نتقيه بالصوم؟ وما الذي نستفيده منه؟ وما هي صور بناء الإنسان وعطاء الإنسان في هذا الشهر العظيم؟..
إن الصوم دورة تربوية في الصبر وتحرير الإرادة، فمن المقاصد التي توخاها الإسلام في تشريعه الصوم شهراً كاملاً، الارتقاء بتهذيب النفس، وتربيتها على مزيد من الخشية من الله تعالى في السر والعلن؛ إذ لا رقيب على الصائم سوى ربه، فإذا أحس بالجوع أو العطش، أو تراءت له الملذات والشهوات، صبر عليها، وأحجم عن تناولها، والانسياق وراءها، وتسامى عنها بدافع من إيمانه العميق، وشعوره القوي بأن الله تعالى يراه، ويؤكد هذا المعنى الحديث القدسي الذي رواه البخاري: (يترك أحدكم طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به).
وهكذا إذا حرر المسلم إرادته، وتعود الصبر والامتناع عن الطعام والشراب، ونحوه من المباحات من أجل الله تعالى، فهو حري أن يتحكم في إرادته في كل زمان ومكان، ويبتعد عن المحرمات والتجاوزات المتصلة بحقوق الله تعالى، أو بحقوق الناس، مما يصح أن يطلق عليه: الظلم الفردي والاجتماعي، فلا يكذب، ولا يشتم، ولا يغش، ولا يرتشي، ولا يعتدي، ولا يفسد بين الناس، ولا يقصر فيما أوكل إليه من واجبات وظيفية واجتماعية.
* وماذا عمن يحولون الشهر الكريم إلى كسل ونوم وفضائيات؟!
- شهر رمضان بذل وتضحية وجهاد، وقد انتشرت في بعض المسلمين عادة السهر في الليل، والكسل والخمول في النهار، فصاروا يتقاعسون فيه عن أداء بعض واجباتهم الوظيفية والمعيشية والاجتماعية والدراسية، بحجة أنهم صائمون، وكأن الله تعالى فرض علينا هذا الصوم لنتوانى فيه عن أداء الواجبات، وفعل المكرمات، وبناء المجتمعات، وإشادة الحضارات.. وما علم هؤلاء أن الأمة الإسلامية - عبر عصورها المديدة - سطرت أعز وأكرم آيات المجد والنصر في هذا الشهر العظيم، فقد خاض النبي صلى الله عليه وسلم معركة بدر في شهر رمضان، وفتح مكة المكرمة في هذا الشهر العظيم، كما أن معركة عين جالوت ضد التتار المعتدين كانت في شهر رمضان، وكذلك كانت معركة حطين ضد الصليبيين المحتلين، وفي العصر الحديث خاض المسلمون حرباً طاحنة ضد اليهود المغتصبين في شهر رمضان.. وهكذا كان رمضان - ولا زال - شعار عز في حياة المسلمين، الذين أبلوا بلاء حسناً وهم يخوضون معارك الكرامة، حماية لمقدساتهم، ودفاعاً عن وجودهم وحقوقهم، وبناء وتنمية لمجتمعاتهم.
* ما رأيك فيمن يستغل شهر رمضان ويتهاون في قيامه بواجباته الوظيفية، واحترام الأنظمة بحجة أنه صائم؟
- هذا خطأ كبير؛ لأن الصوم التزام بالنظام العام، وممارسة للسلم الاجتماعي، ويعتبر الصيام وسيلة فعالة في حمل النفس على الالتزام والانضباط، وتنمية المشاعر الجماعية لديها، وتعويدها على ذلك، وتحفيزها إلى احترام النظام العام وعدم تجاوزه، ولو في ممارسة حقوقها الفطرية الشخصية، أو الخاصة جداً، ويتجلى هذا في تحديد الشرع للأوقات التي يباح فيها الأكل والشرب والاتصال الجنسي بين الزوجين، وفي تحديد الأوقات التي يمتنع فيها عن ذلك؛ إذ في هذا إشارة إلى أنه ليس للإنسان أن يفعل ما يريد متى شاء، ولو كان هذا مباحاً أو حقاً من حقوقه الخاصة، بل عليه أن يضحي أحياناً بحقوقه ورغباته الشخصية، لتتكامل وتتناسق مسيرته مع مسيرة المجتمع الذي ينتمي إليه، ويأمن فيه على نفسه وماله وأهله، ويتنعم فيه بخيراته وأرزاقه، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، وتأمل انتهاء الآية بقوله تعالى: {حُدُودُ اللّهِ .. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}، وحدود الله: يرادفها ما يعبر عنه اليوم في الأنظمة المعاصرة بحق المجتمع، أو النظام العام، كما يظهر هذا الانضباط في شهر الصوم، فيما دعا إليه الإسلام من ممارسة السلم الاجتماعي، وحُسن التعايش مع الآخرين، وذلك بالتزام آداب الصيام، وكفّ اللسان والأعضاء والجوارح عما لا ينبغي من فحش القول، وسوء الفعل، وانحراف الممارسة، بل ومجاراة الآخرين في الرد على جهالاتهم واعتداءاتهم.. روى الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم).
* ما هي المقاصد الاجتماعية والإنسانية التي توخاها الإسلام في تشريع الصوم؟
- الصوم سبيل للتراحم والتكافل والمودة، ومن آثار الصوم المشهودة أنه يولد الإحساس المرهف في نفس الصائم، ويبعث فيه مزيداً من الشفقة والرحمة، وتفقد البائسين والمحرومين، الذين ضاقت بهم سبل الحياة الكريمة، والعيش المناسب، من غذاء وكساء ودواء وسكن وأدوات ولوازم، وأسباب أخرى يحتاجونها مع أسرهم ليتحقق لهم الأمن والطمأنينة والاستقرار، ومثل ذلك رعاية الأيتام في هذا الشهر المبارك، وعيادة المرضى، وإغاثة الملهوف، وغيرها من فضائل الأعمال التي تتجدد صورها وأشكالها في كل زمان ومكان، ولقد كان من ديدن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وعادته، أنه أجود ما يكون في رمضان، كأنه الريح المرسلة، من كثرة هباته وصدقاته وتفقده للمحتاجين والمعوزين، وعطائه للجيران والأصحاب، وعلى هذا المنوال سار عامة المسلمين في شتى العصور والبقاع، حتى غدت كثير من المدن والأحياء والقرى الإسلامية مشاعل خير مضاءة، بسبب هذا التواصل الاجتماعي في رمضان، بين الأقرباء بعضهم ببعض، وبين الجيران، وبين المقيمين والغرباء، والموسرين والمعوزين.
* هل من دراسات معاصرة عن فوائد الصوم الصحية، وما هي هذه الدراسات؟
- الصوم صحة وعافية، ومن الأمور المتفق عليها عند الباحثين في العلوم الصحية اليوم أن الحمية (الصوم) يحرر الجسم من الالتهابات والميكروبات والصديد، ويخلصه من الرواسب الضارة والتخمرات المؤذية، وهو يريح الأعضاء والجوارح، وينشط البدن ويقوي الفكر والذاكرة.. ويكاد يجمع كثير من الباحثين وأطباء التغذية على أن الصوم (تقليل الطعام وضبط مواعيده) علاج فعّال للعديد من الأمراض الباطنية والجلدية والعصبية، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (صوموا تصحوا)، رواه أحمد والطبراني وأبو نعيم.
وفي هذا المعنى يقول البروفيسور (إليكسيس كارليل) الحائز على جائزة (نوبل) في الطب: إن كثرة وجبات الطعام وانتظامها ووفرتها تعطل وظيفة أدت دوراً عظيماً في بقاء الأجناس البشرية، وهي وظيفة التكيف مع قلة الطعام، ولذلك كان الناس يلتزمون الصوم في بعض الأوقات.. والأديان كلها تدعو الناس إلى الصوم، وقد ظهر الآن أن من فوائده تحريك سكر الكبد، وتحريك الدهن المخزون تحت الجلد، وبروتينات العضل، والغدد، وخلايا الكبد.. مما ينتج عنه كمال في الوسط الداخلي للجسم، وسلامة القلب، وتنظيف الأنسجة.
ويقول الدكتور (ماك فادون) أحد أشهر الأطباء العالميين الذين عالجوا كثيراً من المرضى بالصوم: إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم، وإن لم يكن مريضاً؛ لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم، فتجعله ثقيلاً كالمريض فيقل نشاطه، فإذا صام خف وزنه وتحللت هذه السموم من جسمه، وتخلص مما قد يعانيه من اضطرابات وتقلصات وحموضات وأوضاع.. فأين من هذه الفوائد الصحية السامية ما تقوم به كثير من ربات البيوت، حينما تحشد العديد من أصناف الطعام وألوان الشراب على مائدة الإفطار، فتهدم ما يبنيه الصوم طيلة اليوم، بل طيلة الشهر؟!!.
* كيف نستفيد من شهر الصوم للوقاية من المفاسد ومكافحة الجرائم؟
- الصوم وقاية من المفاسد والجرائم، وصيانة للأمن العام، ومما لا شك فيه أن الصوم بمواصفاته الشرعية يعتبر حصناً منيعاً من الانزلاق في المفاسد والجرائم، وهو يقوم بدور حيوي وفاعل في الارتقاء بالسلوك الفردي والأسري والاجتماعي، وضبطه فيما يحبه الله تعالى ويرضاه، بل إنّ الصوم الذي يمنع الصائم فيه نفسه من الطعام والشراب والمباحات الأخرى، يحفز الصائم - من باب أولى - إلى أن يمنع نفسه عن الانجرار وراء المفاسد الاجتماعية والجرائم والمحرمات، وهذا هو المشاهد في شهر رمضان، حيث تتدنى نسبة المنازعات والجرائم والمفاسد إلى حد كبير على امتداد العالم الإسلامي في دوله العديدة، ويعم الأمن والأمان، ويزيد الإيثار عند الناس، وحب بعضهم بعضاً، وإقبالهم على فعل الخير، وبذل البر والمعروف، والتسابق في ذلك، كما يكثر ترددهم على المساجد، ومداومتهم على قراءة القرآن، وحضور مجالس العلم والذكر والحرص على التعامل مع بعضهم بشفافية وإيثار، وطهر وتسامح، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى نحو هذا فقال: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت أو سلسلت الشياطين، وغلقت أبواب النار وفتحت أبواب الجنة، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشهر أقصر) رواه الترمذي والنسائي والحاكم.
* ليلة القدر خير من ألف شهر، كيف يستفيد المسلمون من هذا الخير في هذه الليلة؟!
- ليلة القدر هي من أعظم المكافآت وأجل الثمرات التي يزخر بها شهر رمضان؛ ففيها نزل القرآن، وفيها الدعاء المستجاب، والخير العميم، وهي خير من ألف شهر، تنزل فيها الملائكة ومعهم جبريل روح القدس عليه السلام، دعاؤهم جميعاً حتى مطلع الفجر: السلام من الله تعالى على عباده القائمين، الراكعين، الساجدين، العابدين، الصائمين.. فيها قال صلى الله عليه وسلم (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) أخرجه البخاري والبيهقي، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يتحراها، ويأمر أصحابه بتحريها، ويوقظ أهله رجاء أن يدركوا بركتها، وحينما سألته عائشة رضي الله عنها قائلة: إن وافقت ليلة القدر فما أقول؟ قال: (قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).. وفي فضل ليلة القدر قال صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
* كلمة للغافلين من المسلمين؟
- هذه بعض معالم شهر رمضان، وفيوضاته الربانية: بناء وعطاء، ونشاط وطاعة، وكف عن الظلم والعدوان، وعن الفساد الفردي والاجتماعي، وإعداد وتربية، وتكافل وتعاون، وصحة وعافية، وسمو ومواساة، وأمن وأمان.. فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، كما روى الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هذا رمضان قد جاء، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل الشياطين، بُعداً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له، إذا لم يغفر له فيه فمتى؟).

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved