التقاها في الوطن ذات زيارة سماها زهرة البنفسج لما تباهت وقالت: المسلمات كزهرات البنفسج لا تنمو إلا في المخابئ والمكائن، ولكن عبيرها يصل للرجل رغم البعد والحجب، وسمته الطير المهاجر لأنه يحط هنا وهناك والوطن مضطر. أرسلت زهرة البنفسج إلى الطير المهاجر هذا ذات صباح: أين أنت؟! وكم بلغت؟! أما مللت الأسفار؟! إلى متى المهاجر والإبحار؟ كم أحن إلى سماع صوتك عذباً طريا.. إلى جمال أعماقك ومقالك وفرا غنياً وإلى قلبك دفئاً لي وريا.. وإلى بنائك شديداً قوياً.. لله كم أحبك وأشتاق إليك متى أراك؟! حنينك يأتيني رغم الصمت.. أجابها الطير المهاجر معتذراً: زهرتنا الجليلة الجميلة.. لا يغرنك سحر أجوائي.. هنيئاً لك مقامك.. سكينتك.. وفوق هذا وذاك عطرك وجمالك.. لك أكثر من ربيع رغم أنك ساكنة، يطيب لك المقام. لا تبارحين الوطن، ومع هذا يصلني عبيرك منعشاً رغم البعد. أن أحبك أنا فلا غرابة، ولكن كيف تسلل حبي لقلبك الهادئ الساكن تحت الظلال المليئة بالعطر القائمة على الجذور الأصيلة المتأصلة؟! كيف أجبتني وأنا الطير المهاجر (من أن ساءه الجو رحل) فإياك، وصدقيني حبي لك أو حبك لي لن يجد بين محطاتي المرسى الذي يستوعبه ذلك.. أن الفارق بيننا شاسع وإلى المستحيل يسير. تأملي معي الفرق بين الصلابة والرقة.. بين الظاهر الملون المتلون والمخبأ الأبيض الشفاف.. بين الألفة والحذار.. بين السكون والعواصف.. كفاك واحذري لن تذبلي يا زهرة البنفسج إلا بحبي. أرسلت إليه في النهاية معاتبة ومصرة متفائلة: ما أقساك أيها الطير المهاجر.. ما أقساك!! هل تُعرض عن حبي؟! أم أنك تغالبه كما يغالبك حب الوطن.. الوطن لا يزال على موعد معك، وخيراته لن تكون إلا لك.. وسيمنحك المزيد إن منحته من علمك الجديد.. انزع عنك لباس القسوة.. وعن قلبك قشور الجفاف.. واطو جناحك والشراع وترفق بقلب زهرة لا تنمو إلا في المخابئ وتحت الظل تألف الهدوء وتعشق العبير، ولا تبارح الوطن مهما كان.. ها هي الأجواء حولي بهيجة فلن ترحل.. ستعود حتماً.. فالطيور تحن لأعشاشها..
|