ماذا يكون شعورك عندما تصبح وتجد حقيبة أعطيت لك من مجهول، وتفتحها وتجد فيها رزماً من العملة الصعبة، أو تتلقى شيكاً بمبلغ كبير لم تكن تحلم به في حياتك؟ لا شك أنك ستكون فرحاً ومغتبطاً، وكل فرد يحلم بأن يكون ثرياً في يوم من الأيام، وتسيطر روح الثراء على المجتمعات في المراحل الانتقالية للاقتصاد، مثل اكتشاف أمريكا، ومرحلة الاستعمار، واكتشاف النفط. وهذه الأحلام وأضغاث الأحلام لا تصنع ثروة، وإنما تكون مخدرة ومثبطة في الغالب عن العمل الجاد، فالثراء لا يأتي إلا بالجهد والتعب والكفاح والمتابعة في الغالب، ويستثنى من ذلك المحظوظون والوارثون، ولقد اعتبر رواد المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد التي أسسها مؤسس علم الاقتصاد السياسي الاسكتلندي آدم سمث أن أهم معوقات الحصول على الثروة تتمثل في عاملين، أولهما: الكسل والتراخي، وثانيهما: السعي وراء الشهوات والملذات، وقد كنت أحسب نفسي من المحظوظين، عندما تلقيت عدداً من الرسائل في البريد الإلكتروني خلال أسبوع واحد تقريباً، وكلها تعرض علي أموالاً طائلة أقلها حوالي تسعمائة ألف يورو، وأعلاها خمسة وعشرون مليون دولار. والحقيقة أنني فوجئت بتلك الرسائل، وكدت أن أصدقها في بادئ الأمر، فقد جاءت الأولى من شخص يقول إنه محام للسيد محمد الزهراني، الذي يحمل جنسية بلدي، ولم يحدد البلد لأنه لا يعلم، ويعمل في قطاع النفط في نيجيريا، ويذكر في خطابه أن السيد محمد الزهراني قضى نحبه وجميع أفراد عائلته في حادث سيارة, ومنذ فترة وهم يبحثون عن واحد من أقربائه ليسلموا له ما تركه من مال يبلغ تسعة ملايين دولار في حسابه بالمصرف الذي يعمل صاحب الرسالة محامياً لديه، ويقول إن اختياره وقع عليّ لأنني أحمل اسم العائلة نفسه، ولم يعلم أن الاسم ليس اسم عائلة وإنما اسم قبيلة وأنه ينكّر أكثر مما يعرّف لكثرة من يحملونه، ليس داخل المملكة العربية السعودية فقط، وإنما في دول كثيرة مثل لبنان ومصر وإسبانيا والأرجنتين والبرازيل وغيرها، ورغم هذا رحت أسأل من ألقاه إن كان قد سمع عن محمد الزهراني هذا، الذي يعمل في نيجيريا في قطاع النفط، فقد يكون ممن هاجروا قديماً، وربما تكون هناك أسرة تعلم عنه, وهي أحق بهذا المال مني، أما المحامي المزعوم فقال إنه سوف يتقاسم المال مناصفة بيني وبينه، وإنه يملك جميع الوثائق اللازمة، وطلب مني الموافقة على الدخول معه في العملية، وفي اليوم التالي تلقيت رسالة من ثلاثة أشخاص من المصرف نفسه، يقولون فيها إن (تشارلز الزهراني) وليس محمداً كما تقول رسالة المحامي المزعوم، قد توفي هو وجميع أفراد أسرته في حادث طائرة وليس (سيارة) كما تقول الرسالة الأولى، تاركاً في حسابه ثمانية عشر مليون دولار، ولأنه توفي في عام 1999م فالقوانين تقضي أن يصبح هذا المبلغ من ممتلكات المصرف إذا مر ست سنوات ولم يتقدم أحد يدعي ملكيتها بالوراثة، ولهذا أرسلوا خطابهم إليّ لأكون أقرب الأقربين إلى تشارلز هذا، مقابل أن أحصل على 30% من المبلغ، و10% تخصص لمصاريف القضية، والباقي 60% يكون للأشخاص الثلاثة، ولم يطل الوقت حتى توالت عليّ هذه الرسائل من زيمبابوي، وجنوب إفريقيا، وسيراليون وغيرها من الدول الإفريقية بعضها يقول إنني فزت في مسابقة اليانصيب التي تم سحبها على الحسابات البريدية الإلكترونية، التي بلغ عددها 30 مليون بريد فردي، وأكثر من 20 ألف زائر لشركات، وأنني فزت بمليون ونصف المليون دولار، ورددت على رسالتهم لأستطلع الأمر، فجاءني الرد أن عليّ أن أدفع مصاريف التحويل، ومصاريف التأمين مقدماً، وتبين لي لاحقاً أن هناك شبكة من العصابات المحترفة تعمل على الإيقاع بالناس، وبخاصة مواطنو دول مجلس التعاون الخليجي لمظنة أن يكونوا أغنياء. الغريب أن تلك الرسائل لم تأت واحدة منها من دولة متقدمة مثل اليابان أو سويسرا، أو فرنسا، أو ألمانيا، وإنما جميعها ما عدا واحدة جاءت من إفريقيا، القارة التي تحتاج إلى مَن يمد لها يد المساعدة، وعلمت أن شخصاً أنفق حوالي مائة ألف ريال ليحصل على الملايين الموهومة والمزعومة، فلم يحصل على شيء وفقد ماله إلى غير رجعة. إنني أنصح من يتلقى رسائل من هذا النوع أن يحذفها مباشرة، وألا يشغل نفسه بها، فإنما هي أوهام، وضياع للوقت والجهد، وقد تكون سبباً في ضياع مزيد من الأموال.
(*) رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية فاكس 012283689
|