التفاصيل التي تضمنها تقرير ميليس لا ترتقي بعد لدرجة توجيه لائحة اتهام ضد سوريا أو ضد مسؤولين كبار في نظامي الحكم السوري واللبناني. فرغم وجود الكثير من التلميحات، إلا أنه هناك القليل من المعلومات. ولهذا حصل ميليس على مهلة أخرى لشهرين لكي يواصل تحقيقاته في سوريا وفي لبنان، على أمل أن توافق سوريا على تغيير طبيعة تعاونها وأن تقدم لميليس رؤوس المقربين من بشار الأسد. وهنا يبرز السؤال لماذا كانت هناك حاجة لوقف التحقيق من أجل رفع تقرير انتقالي غير كامل؟. الجواب على ذلك يوجد في عاصمتين: واشنطن وبيروت. واشنطن بحاجة ماسة إلى مادة إدانة ضد سوريا كي تعزز من خلال أعضاء مجلس الأمن دس العصا في أضلاع سوريا، التي تساعد الإرهاب في العراق. ويحتمل أن تكتفي هاتان الدولتان (أمريكا وفرنسا) بمادة التحقيق التي رفعها داتليف ميليس لكي تؤيد أيضا مشروع القرار بفرض العقوبات على سوريا، ولكن يبقى السؤال كيف ستتصرف الصين وروسيا. صحيح أنه خلافاً للعراق، سوريا ليست دولة استراتيجية، وأن من يحتفظ بالنفوذ على النظام السوري لا يؤثر بالضرورة على باقي أجزاء الشرق الأوسط، إلا أنه يوجد لسوريا صديق قريب، يدعى إيران، لديه شبكة علاقات وثيقة مع الصين ومع روسيا، وبضع أصدقاء أقل قرابة في الشرق الأوسط، مثل مصر والسعودية، الكويت ودولة الإمارات التي يوجد لبعضها استثمارات كبيرة في سوريا وهي ذات تأثير على سياسة الولايات المتحدة. العقوبات على دولة عربية هي أيضاً ملعب الجامعة العربية، صحيح أن أهمية هذه الجامعة هامشية في كل ما يتعلق بقرارات واشنطن، ولكن الآن حين تبدأ الجامعة في التقرب من العراق، الخطوة التي تشجعها واشنطن إذ بذلك تمنح الجامعة اعترافاً بالهيكل السياسي الناشئ في العراق بتصميم واشنطن - كفيلة الإدارة الأمريكية بمراعاة مواقف الجامعة بعض الشيء. وهذه هي مجرد جزء من الاعتبارات التي توجه واشنطن اليوم في قدومها على تجنيد الدعم لفرض العقوبات على سوريا. القسم الآخر يتعلق بلبنان. فقد توقع لبنان من ميليس لائحة اتهام ضد سوريا، وحتى لو لم تكن كاملة فإنها كفيلة بأن تخدم الحكومة والبرلمان للمطالبة بإزالة بواقي التواجد السوري، ولا سيما الرئيس إميل لحود. ولكن يظل السؤال: هل العقوبات على سوريا ستخدم لبنان؟ انقسم المحللون اللبنانيون في هذا، فمنهم من يخشى مثلا أن ترد سوريا بإغلاق الحدود مع لبنان. وهكذا تترك سوريا لبنان دون صلة تجارية بدول عربية أخرى، وهي خطوة سبق لسوريا أن اتخذتها هذا العام وألحقت أضراراً هائلة بالزراعة اللبنانية. وفي كل جملة الاعتبارات هذه ورغم الحافز الأمريكي لاتخاذ القرار بفرض العقوبات على سوريا، فيحتمل أن تمنح واشنطن فرصة أخرى لدول عربية لإقناع سوريا بتحسين طرقها ولا سيما في كل ما يتعلق بالعراق. وهكذا تصبح المهلة التي تلقاها ميليس لاستكمال التحقيق مهلة أيضاً لسوريا للوفاء بمطالب واشنطن.
|