(يا باغي الخير أقبل) نداءٌ لا ينقطع إلى كلِّ من يريد الخير وعمل الخير وأجر الخير في شهر الخير. أتذكَّر هذا النداء الجميل كلَّما رأيت أو سمعت عن أولئك السَّاعين إلى عمل الخير من أبناء هذا البلد الطيِّب، الذين يقفون في الطرقات، عند الإشارات المرورية، أو عند المراكز العامّة التي يجتمع فيها كثير من الناس .. يقفون ومعهم التمر والماء واللَّبن يوزِّعونه على الصائمين الذين لم يتمكّنوا من الإفطار في منازلهم لأنّ وقت الإفطار حان وهم في سياراتهم، أو في بعض الأماكن التي لهم فيها حاجة .. أُناسٌ حريصون على فعل الخير، وأجر تفطير الصائمين في هذا الشهر الكريم، ولهذا فهم يبحثون عن الوسائل التي توصِّلهم إلى هذا العمل الجليل. حينما تكون النفوس راغبةً في الخير، مجبولةً على بذْل المعروف، يصبح ذلك هاجسها الذي تظلُّ مشغولةً به حتى تحقِّقه، وفي هذا المجال يصبح الإنسان عنصر بناءٍ في مجتمعه، وسبباً من أسباب رقيِّه وتقدُّمه، لأنّ العبرة بالقدرة البشرية، والإرادة الصادقة التي تحوِّل الإنسان من شخصٍ سلبيٍّ إلى شخص عمليٍّ له دوره في الحياة. الإنسان المسلم لا يمكن أن يكون عاطلاً إذا تشبَّع بروح العمل والبذْل والعطاء. هؤلاء الذين نراهم يحملون معهم مادَّة إفطار صائم في هذه المواقع العامّة قاموا بواجبهم في هذا الجانب، وحقّقوا لأنفسهم أجر تفطير الصائمين، ولربَّما كان بيت أحدهم متواضعاً، ومقدرته المالية ضعيفة، ولكنَّ همَّته همَّةٌ كبيرة، ورغبته في الأجر رغبةٌ عظيمةٌ، ولهذا فهو يقوم بهذا العمل الذي نراه مظهراً من مظاهر الخير وحبِّ الخير في بلد الخير، ولربَّما كان لأصحاب هذا العمل من أجر المقتدين بهم ما لا يخطر لهم على بال. لو قُدِّر لأحدنا أن يتحدَّث إلى بعض هؤلاء الباذلين الذين يلاحقون الصائمين بإفطارهم في أماكنهم، لسمع منهم عن شعورهم بالسعادة والرِّضا ما لا يتحقق إلاّ في مثل هذا المجال الخيريِّ الجليل. نحيّي هؤلاء لأنَّّهم فتحوا لأنفسهم باباً إلى الخير، وسلكوا إلى الأجر طريقاً واضح المعالم، في وقت يعجز بعض الغافلين فيه عن صُنْع فرصة خيرٍ لأنفسهم. حينما رأيت رجلاً كبير السنِّ من أهل العلم في ساحة المطاف حول الكعبة يقوم بعملٍ واحد محدَّدٍ لا يتجاوزه، ألا وهو إرشاد الطائفين إلى مشروعية الاضطباع في الطواف، وهو كشف الكتف الأيمن، رأيت أنّه يقوم بما يستطيع دون أن يتَّكل على أحد، وقد رأيت من استجابة الطائفين له، وسمعت من قولهم له: جزاك الله خيراً، ما أشعرني بنجاحه في جَلْب الخير لنفسه على حسب استطاعتها. وحينما أهداني أحد الدُّعاة في منطقة الباحة مجموعة من الكتب كتب في الصفحة الأولى من كلِّ كتاب عبارة: (لا تنسني من دعائك كلَّما اطَّلعت على هذا الكتاب)، قلت له: منذ متى تفعل هذا؟ قال: منذ تقدَّم بي السنُّ فلم أعد قادراً على الدعوة والإرشاد كما كنت من قبل، فقمت بهذا العمل لعلّ الله ينفعني به، وبدعوة من يستفيد من هذه الكتب. هكذا يمكن أن يكون المسلم عضواً فعَّالا في مجتمعه، ساعداً من سواعد البناء، لا مِعْولاً من مَعَاوِل الهدم. إشارة:
أُمّتي لم تزلْ ترى النيل يجري في رُبَاها ودجلةً والفُراتا |
www.awfaz.com |