أولويات مجلس الأمن

تظل إسرائيل بمنأى عن أي تهديد طالما أن العالم يشيح بوجهه عن اعتداءاتها ويتجاهل جرائمها، لكن عند أية بادرة تلمح إلى انتقاد الكيان الصهيوني فإن كبار العالم يتحركون لحماية هذه الدولة المجرمة التي يتساقط ضحاياها يوميا بمدافعها وطائراتها وممارساتها العدوانية المنفلتة عن أية رقابة دولية.
فطوال الأسبوع الماضي شنت إسرائيل أكثر من 30 غارة جوية على غزة وحدها وبفعل هذه الغارات المتتابعة استشهد الكثيرون، غير أن ذلك كله لم يكن يكفي كي يتداعى أعضاء مجلس الأمن لمجرد التشاور حول هذه المذابح المستمرة، لكن مجلس الأمن لم يتأخر كثيرا عندما دعت إيران إلى إزالة إسرائيل من على الخريطة الدولية، وبعد 48 ساعة من هذه الدعوة كان هناك قرار بالفعل قد صدر من مجلس الأمن الدولي بإدانة إيران بسبب هذه الدعوة (ضد دولة عضو في الأمم المتحدة) لكنها دولة استعمارية تحتل أراضي عربية وترتكب الجرائم بصفة يومية ضد الشعب الفلسطيني الذي تحتل أرضه.
ولا يعرف المدى الذي يمكن أن تذهب إليه إسرائيل في ارتكاب هذه الجرائم حتى يمكن أن يصدر قرار من مجلس الأمن بإدانتها. ومن المؤكد أن عالما ينحاز إلى الظلم بهذه الطريقة ضد المظلومين هو عالم مرشح للكثير من الاضطرابات، إذ إن غياب العدل سيغرق المظلومين في دائرة الإحباط بكل إفرازاتها الوخيمة.
إن صور التغاضي عن جرائم إسرائيل تتعدد، وكلما زادت حدة القمع الإسرائيلي كلما اكتسبت إسرائيل المزيد من تأييد دول كبرى ترى في الاعتداءات الإسرائيلية تصرف طبيعي لحماية الأمن الوطني لإسرائيل من تهديدات من تسميهم إسرائيل الإرهابيين.
وتحت مظلة محاربة الإرهاب فإن إسرائيل تجد نفسها مطلقة الأيدي للانقضاض على النشطاء الفلسطينيين، طالما أنها تجد في حربها هذه ضوءا أخضر من الدول الكبرى المشغولة بحرب لا هوادة فيها ضد ما تسميه الإرهاب. كما أن مهمة إسرائيل باتت أكثر سهولة مع تصنيف الفصائل الفلسطينية في قوائم الإرهاب التي تصدرها بعض الجهات الدولية، ومن ثم فإن الكثير من الدول تنظر إلى ما تقوم به إسرائيل على أنه إسهام لا غنى عنه في الحرب العالمية ضد الإرهاب متناسية إرهاب الدولة الذي تقوم به إسرائيل.
إن إصرار الدول الكبرى على تجاهل المطالبات الدولية بتعريف الإرهاب يتيح فضاءً واسعا لدولة مثل إسرائيل لتنفيذ رؤيتها الاستعمارية تجاه المناضلين الفلسطينيين، ويعني ذلك أن كبار العالم يشاركون فعليا في هذه الجرائم من خلال إنكارهم على الساعين لاستعادة حقهم في محاربة عدوهم بأي وسيلة كانت، وبدلا من ذلك فإن هؤلاء يجدون أنفسهم في القوائم ذاتها التي تضم الإرهابيين والمجرمين المطلوبين في مختلف أنحاء العالم.