Sunday 30th October,200512085العددالأحد 27 ,رمضان 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "عزيزتـي الجزيرة"

أكاديمي عربي يعقب على الدكتور البريدي:أكاديمي عربي يعقب على الدكتور البريدي:
نعم: لا بد من إعادة النظر في مؤسساتنا البحثية!

كثيراً ما أجد في بعض المقالات ما يدعوني إلى إبداء الرأي أو التعليق، ولكن في كل مرة تأخذني أولويات أخرى قد لا تكون أكثر أهمية ولكنها أكثر إلحاحاً فتتغلب على مقاومتي لها.
ومع مقالات الدكتور عبدالله البريدي يكون إغراء المشاركة أكبر ورغم ذلك تنتصر الأولويات!! أما مع مقالته الأخيرة: دعوةُ لفتح الصندوق الأسود للأكاديمية العربية: جامعاتنا... عفواً: لا يمكنُ (سعودةُ الفكرِ)؟! فقد اختلف الأمر.
ونظراً لأهمية الموضوع وبعض النقاشات الجانبية مع بعض الزملاء الأفاضل وجدتني مندفعاً إلى المشاركة.
ومع تلقيكم - أيها القراء الأفاضل - لمقالتي، أعلن لنفسي هزيمة الأولويات اليومية الرتيبة أمام الفكر الجريء الهادف!! قبل كل شيء لا أخفي إعجابي بأسلوب الدكتور البريدي.
وكثيراً ما يجول بخاطري أن أطالبه بإعادة النظر في ذلك!! فأحياناً أنشغل بأسلوبه المتميز عن مضمون الموضوع نفسه!! أود في البداية وقبل أن أدون خواطري وملاحظاتي أن أوضح أن حديثي يتعلق بالجامعات العربية بوجه عام ولكنني أخص الجامعات والمؤسسات التعليمية والبحثية السعودية؛ حيث إنها كانت موضع اهتمام مقال الدكتور البريدي، وكذلك لأسباب ستتضح لكم:
الملاحظة الأولى
لفت نظري في مقال الدكتور البريدي أمر لم أنتبه إليه من قبل رغم أنني رأيته وعايشته: إنه حرص الجامعات في كثير من أنحاء العالم على تعدد جنسيات منسوبيها، مع وجود من قد يشغل أماكنهم من كفاءات وطنية، إذن فطريقة التفكير مختلفة، والنتيجة واضحة وهي الاستفادة من خبرات متنوعة، وربما كان من النتائج تشجيع المواطنين، بل وغير المواطنين أيضاً، على مزيد من التميز من أجل الظفر بمكان في جامعة راقية، ومع تعدد الدوافع فالنفع عائد على الجميع.
لذا فلا عجب أن نجد أستاذاً ذا أصلٍ هندي أو كوري أو بنجلاديشي يعمل في واحدة من أعرق جامعات الولايات المتحدة أو كندا، وليس في ذلك إنقاص من قيمة المواطن الأمريكي أو الكندي ولا من فرصته لشغل وظيفة مماثلة.
الملاحظة الثانية
إن (السعودة) أمر لا يختلف اثنان عاقلان على أهميته وضرورته، بل وعلى وجوب التزام الدولة بتحقيقه، ولعل المنظور الأساسي لذلك هو استيعاب الطاقات العاطلة وتوفير مصادر الرزق لأبناء الوطن.
أما في النوعية المميزة من الوظائف - مثل هيئة التدريس في الجامعات - فلابد من اختلاف النظرة.
فهذه الوظائف ليست لمجرد (أكل عيش)، والذي لا ننكره كدافعٍ مطلوب للعمل، ولا نقلل من قيمته المشروعة، ولكن مع أساتذة الجامعات فالأمر أعمق من ذلك، وبإذن الله مصادر (أكل العيش) متوفرة لهم بحكم تميز مؤهلاتهم، ويساعدنا في هذه النظرة أنه من الصعب أن تجد سعودياً مؤهلاً لتلك الوظائف دون أن يشغلها بالفعل.
إذن ما هي المشكلة إذا كان السعودي المؤهَل يعمل، وما يفيض من وظائف يشغلها آخرون؟؟؟ المشكلة هي في اعتبار أن السعودة (ضرورة) لشغل الوظائف الفائضة بسعوديين مهما كانت نوعية هذه الوظائف.
ضرورة يجب أن تتم بأي ثمن حتى لو استدعى ذلك النزول بالحد الأدنى لمتطلبات الوظيفة، سأكون محدداً بعض الشيء بملاحظة شغلتني بحكم عملي وبحكم علاقاتي مع زملاء يعملون بالجامعات السعودية.
في كثير من الجامعات في العالم لا تسند صلاحية تدريس الشق النظري من المقررات إلا لمن يحمل درجة الدكتوراه، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى اشتراط مرور فترة زمنية معينة بعد الدكتوراه، يشارك فيها (الدكتور) الحديث أستاذاً أكبر منه في تدريس المقرر حتى يكتسب المهارات التدريسية المطلوبة.
كذلك تشترط بعض الجامعات قبل التعيين في وظيفة عضو هيئة تدريس اجتياز الحاصل على الدكتوراه دورات متخصصة في كل ما يمت لعملية التدريس بصلة مثل طرق التدريس والتقويم وتصميم الناهج وأخلاقيات المهنة... وهكذا.
أما في الجامعات السعودية فإننا نجد أن لحاملي الماجستير صلاحية تدريس المقررات النظرية، بل قد تتم الاستعانة بحاملي البكالوريوس دون اشتراط متطلبات تعويضية مثل الخبرة التطبيقية أو التدريسية المتميزة.
لذا قد لا نتعجب إذا وجدنا خريجاً حديثاً يقوم بالتدريس النظري لمقررات متقدمة لطلاب قد يكون بعضهم زميلاً سابقاً له!!! أرى أن أحد أسباب ذلك هو تغليب جانب هدف (السعودة) على الجوانب الأخرى.
وهنا أرى أنه لا يجب أن تكون للسعودة الأولوية المطلقة، ولابد من بعض الضوابط التي تحكمها مصلحة الوطن (أقصد بالتحديد المملكة).
وإذا أضفنا إلى ذلك مصلحة الأمة الإسلامية كلها فإن (السعودة) تتطور إلى شكل أعم وأكثر فائدةً ونضجاً، ويمكن اختيار مسماه فيما بعد الاقتناع به!!!
الملاحظة الثالثة
من واقع الفترة التي قضيتها متعاقداً للعمل في المملكة، فقد لمست أنه ليست هناك مشكلة في الإنفاق على ما تحتاجه الجامعات، وهذه ولا شك نعمة كبيرة نحمد الله عليها، ولكن المشكلة في نظري تمس طريقة توزيع الإنفاق.
ويرجع ذلك إلى غياب - أو عدم وضوح - هدف محدد لا بد من الوصول إليه، مرة أخرى أحاول أن أكون محدداً، بشكل مبسط يمكن تصنيف أوجه صرف الأموال في الجامعات إلى ثلاثة عناصر: المنشآت - المعدات - القوى البشرية، لا غبار على ما ينفق على المنشآت الراقية ولا على المعدات الحديثة، وفي ذلك فإن جامعات المملكة تنافس أكبر الجامعات وقد تتفوق عليها، ملاحظتي تخص الجانب البشري، أرى أن الإنفاق عليه يحتاج إلى الكثير من التوجيه والترشيد، قد يفهم البعض كلمة (الترشيد) على أنها (التقليل).
لا ليس هذا، وإنما الترشيد بمعناه اللفظي، الذي قد يؤدي إلى (الزيادة) في الإنفاق مادام سيؤدي ذلك إلى عائد أكبر. للأسف يشترك الكثير من دولنا العربية في هذا الأمر، حتى تلك التي تعاني قلة الموارد المالية، الظواهر التي تدلل على ما أقول كثيرة، أسوق بعضها فيما يلي:
1- يتم الابتعاث للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه من أكبر الجامعات، وهذا شيء إيجابي، ولكن ماذا بعد؟ يعمل العائد من الابتعاث (المبتعث) أحياناً في أمورٍ لا تمت بصلة لما ابتعث من أجله.
فمثلاً قد يكلف بعمل إداري كبير لمجرد أنه يناسب (مسمى) الدرجة التي حصل عليها، وفي أفضل الأحوال يقوم بتدريس مقرر (قد) يتلاءم مع ما تخصص فيه.
2- الاهتمام كبير بالدورات التطويرية سواء داخل المملكة أو خارجها، وهذا شيء إيجابي، ولكن غالباً ما يطلب من المدرس (حضور) الدورة وليس (اجتيازها)، ولا يتبع ذلك الحضور أو الاجتياز إلزام واضح بإفادة المكان بما تعلمه، يؤدي ذلك إلى عدم جدية التدريب وإهدار الأموال التي يجب أن ترشَد.
3- الاستفادة من أساتذة الجامعات المتعاقدين ليست في صورتها المُثلى، فعند الحاجة إلى أحدهم فإن المفاضلة بين المتقدمين تعتمد على السيرة الذاتية، والنتيجة هي التعاقد مع خبرات تعليمية وبحثية كبيرة، وهذا شيء إيجابي، ولكن كيف تتم الاستفادة من هذين الجانبين (التعليمي والبحثي)؟ غالباً ما يقوم مثل ذلك الأستاذ بتدريس مقررات عادية وربما يبدع فيها، ولكن من المؤكد أن لديه الأكثر، وسأعود إلى هذه النقطة فيما بعد.
ما أريد تسجيله الآن هو أن الأستاذ الجامعي الجاد يقضي فترة عمله في صراع بين ما لديه من قدرات لا يُستفاد بها وبين تأمين حياة أفضل له ولأسرته، وغالبا ينتصر الدافع الأخير فيصبح - رغماً عنه - واقعاً في دائرة (أكل العيش).
الملاحظة الرابعة
في تصنيفي السابق لأوجه الإنفاق في الجامعات أغفلتُ جانباً مهماً وهو (البحث العلمي).
في البداية كان إغفالي تلقائياً، وربما كان ذلك تعبيراً لا إرادياً عن الغياب الفعال (وربما الفعلي!) لهذا الجانب رغم وجوده الشكلي، وعندما انتبهت لذلك تعمدت إغفاله بعد أن وجدت في نفسي رغبة في اعتباره ضمن العنصر الثالث أي القوى البشرية، فلن تستطيع أحدث المعدات ولا أفخم المنشآت والأثاث أن تنتج بحثاً مفيداً دون قوى بشرية واعية مؤهلة يتم تشجيعها بكافة السبل، وليس المقابل المادي هو التشجيع الوحيد، فإن الباحث الحق يسعده ويشجعه أن يرى فائدة تعود على مجتمعه لما يبدعه، أكثر من أي مقابل مادي يحصل عليه ويستحقه.
وأظن أن كيان ذلك الباحث الحق في أمتنا يهتز خوفاً حينما يقول أو يستمع إلى الدعاء (اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع)، وقد ينتابه هاجس الخوف من الوقوع في ذلك بإضاعة وقته فيما لا يفيد.
إن المتتبع للدوريات والمؤتمرات العالمية المتخصصة لا يكاد يرى تواجداً واضحاً لمدارس بحثية تابعة لجامعات سعودية (وهي التي تعنينا في حديثنا هذا)، ربما نجد محاولات فردية لا تتسم بالاستمرارية ولا يتناسب العائد منها مع ما ينفق، فالإنفاق كبير والعائد قليل، إذن مرة أخرى إنه الترشيد، لا بد من تشجيع الاستفادة من أبحاث من ابتعثوا.
لا بد من تشجيع الأساتذة السعوديين والمتعاقدين على البحث العلمي ضمن إطار منظومة متكاملة لا تعتمد على أفراد بعينهم في استمرارها، وذلك لتجنب الضرر الذي قد ينتج عند انتهاء عمل المتعاقد، بل إن ذلك أيضا أمر مردود عليه، فوسائل الاتصال الحديثة ستتيح التعاون والتفاعل عن بعد حتى مع من لم يعمل في المملكة.
إنني أعرف بشكل شخصي زملاء سعوديين شديدي التميز في تخصصهم الهندسي الذي أشترك معهم فيه، لكنهم اختفوا من ساحة المؤتمرات والدوريات العالمية بمجرد حصولهم على الدكتوراه.
ليس ذلك لتكاسل فيهم، ولكن لانغماسهم في أعباء إدارية لا تترك لهم فرصة لشيء آخر، لا بد من إعطاء أعضاء هيئات التدريس السعوديين الفرصة لإبراز مهاراتهم والاستفادة والإفادة من خبراتهم البحثية التي اكتسبوها أثناء دراستهم، وإرجاء تكليفهم بالأعباء الإدارية لما بعد ذلك، وقد يكون من المفيد اشتراط درجة (الأستاذية) لمن يكلف منهم بعمل إداري بداية من رئيس القسم، وبذلك تتشجع هذه الفئة المتميزة على الإنتاج البحثي في مرحلة عمرية شديدة الثراء.
وبعد ذلك يأتي دور المهام الإدارية التي يمكن أن تتم في مرحلة عمرية أكبر وتكون مقرونة بنشاط بحثي ذي طابع إشرافي قد يكفي فيه وقت قليل لتوجه باحثين أحدث. وإنني أنتهز فرصة الحديث من على منبر جريدة (الجزيرة) واسعة الانتشار لأعبر عن أمنية طالما راودتني وتحدثت عنها في دوائر صغيرة، أتمنى أن تولي المؤسسات التعليمية والتدريبية في المملكة اهتماماً أكبر لدعم البحث العلمي (وخاصة التطبيقي منه) بشكل واضح المعالم.
ومن المؤكد أن عائد ذلك سيعود على الطلاب والمتدربين في جزءٍ منه وسيعود كله على الأمة، ولديَ قناعة تامة بأن ذلك أمر ممكن في ظل الإمكانيات البشرية والمادية المتوفرة في المملكة، بل يمكن تفعيل التعاون بين تلك المؤسسات ونظيراتها في العالم العربي والإسلامي، وإنني على يقين من وجود الكوادر السعودية التي يمكنها تنظيم ذلك.
وكخطوة محددة أتمنى أن تنشئ إحدى هذه المؤسسات معهداً متخصصاً في البحوث التطبيقية يشمل مدارس بحثية في كافة المجالات التقنية، وأرشح لذلك المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني بما تحتويه من مقومات لذلك الأمر، وقد يكون من الأفضل البدء ببعض الموضوعات التي يتوافر فيها ما يلي:
1- ذات طابع حيوي ومؤثر (استراتيجي).
2- عائد تطبيقي سريع يشجع متخذي القرار على منح مزيد من الدعم لموضوعات أخرى.
3- محدودية الحاجة إلى تقنيات ومساندات خارجية من شأنها إضافات صعوبات وعقبات.
إنني أثق تماما في أن جامعات المملكة تمتلك كافة المقومات لقيادة جامعات العالم العربي لنهضة حقيقية.
وأكرر التأكيد على أهمية مراجعة بعض حساباتنا وأفكارنا في مؤسساتنا البحثية في العالم العربي، مقدرا لجريدة (الجزيرة) الغراء إعطاء الفرصة لمثل هذه المقالات الجريئة الهادفة التي تضيء شيئا من الطريق وتتيح لنا فرصة لمزيد من الوعي من خلال النقاش والحوار الهادف الجاد.

د. عصام الدين محمد رشاد
أستاذ مشارك - كلية الهندسة - جامعة طنطا - مصر وحاليا بالكلية التقنية في بريدة - المملكة العربية السعودية بريد إلكتروني emrashad@ieee.org

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved