* الحدود العراقية - عرعر - فهد الديدب: بعد أن ودعنا رجال حرس الحدود في قطاع منفذ جديدة عرعر اتجهنا إلى مراكز حرس الحدود في العويقيلة.. وهي: (مركز الأصغر - المعافير - والصحن - المجامر والليفية - والخويمات).. وكان أول ما لفت انتباهنا في هذه الزيارة هو التشابه الكبير والذي يصل إلى درجة التطابق مع مراكز منفذ جديدة.. عرعر.. وهذا ما يؤكد.. ان استراتيجية العمل لا تختلف من مكان لآخر وأن الانضباطية والالتزام التام بمواعيد الدوريات والمراقبة والتعقيب ونظام الرؤية الليلية. هو الشعار الدائم.. والعنوان الأكيد لعمل القطاعين في الجديدة والعويقيلة.. ولأن الهاجس الأكبر لنا كصحفيين.. هو أن نشاهد أي محاولة تهريب على الطبيعة.. فقد كنا نتواجد في كل مكان.. نشاهد الدورية وهي تمسح الحدود.. نراقب الكاميرات الليلية.. نحاول أن نسمع حتى همسات الضباط وقادة المراكز.. وبالفعل فقد كان موعد جولتنا مع رجال حرس الحدود حافلاً بالضبط ودليلاً على يقظة رجالنا في الحدود.. وشجاعتهم وغيرتهم واخلاصهم لخدمة الوطن.. فقد تمكن.. حرس الحدود في منفذ جديدة عرعر.. من إحباط محاولة تهريب كمية ضخمة من مادة الحشيش المخدر بعدد (73) بلاطة بوزن (70.210) كغم حيث تم القبض على ثلاثة اشخاص من المهربين بعد ان حاولوا ادخال الحمولة للحدود السعودية قادمين من الاراضي العراقية.. وعند السؤال والتقصي عن طريقة القبض.. فقد افادنا رجال الحدود.. أنهم قد شاهدوا آثار المهربين على خط الحدود على الرغم من لبسهم لاحذية اسفنجية وبعد متابعة الأثر وتحديد مكان المهربين تم ضبطهم بشكل سريع. وقد عثر معهم على جهاز تحديد الموقع (قارمن) وجهاز إتصال (الثريا).. واللافت للنظر عند متابعة تفاصيل الضبط.. هو الثقة الكاملة.. لدى رجال الحدود.. لدرجة ان أصبح أمر القبض حدثاً اعتيادياً.. لا يكادون يتحدثون عنه.. والجميل في الأمر: هو زيارة قائد حرس الحدود بمنطقة الحدود الشمالية اللواء علي نزال العنزي.. إلى قطاع منفذ جديدة عرعر.. ومتابعة تفاصيل عملية القبض.. وتوجيه الشكر والتقدير للمركز.. ولأفراد الدورية التي نجحت في إلقاء القبض على المهربين. ومن الأمور التي تلقى اهتاماً كبيراً لدى رجال حرس الحدود، هو مسارعتهم بعد كل عملية قبض واحباط محاولة التهريب إلى محاولة الوصول إلى (المستقبل) المكلف بايصال المخدرات إلى المملكة بعد ان يتجاوز المهربين الحدود.. حيث إن العملية معقدة.. ومنظمة.. جداً من قبل المهربين.. فيكون في كل الأحوال (مُرسل) ويكون من داخل العراق.. ويكون ايضاً هناك مهربون.. يقومون بايصال المخدرات أو الأسلحة لداخل حدود المملكة. مقابل ثمن بخس جداً ومن ثم يكون هناك (المُستقبل).. وعن الوسائل التي ينتهجها رجال الحدود في إفشال هذه العمليات يقول أحد الضباط: كل وسيلة لدينا نستخدمها بداية من الأمور الاستخبارية ومن ثم الوسائل الحديثة مثل الكاميرات، وأيضاً الجهد البدني واليقظة والحزم.. ومحاولة استقصاء وسائل التمويه.. التي تكشف باتت يوما بعد يوم.. ومن المعلوم لكل حرس الحدود.. أن المتسلل الذي يحاول الخروج من المملكة.. دائماً ما يحمل نقوداً.. وتختلف وسائل اخفاء الأموال بداية من محاولة اخفائها بالاحذية أو لبس حزام خاص.. أو دفنها عند الضرورة.. وتخزين موقعها (بالقارمن) والعودة لها بعد الهروب وايضاً،فإن المتسلل الذي يحاول الدخول للمملكة فيكون معه على الأرجح اما مخدرات.. حيث يعد الحشيش الأكثر تهريباً وضبطاً.. أو (الوسكي) او حبوب الكبتاجون وعلب البيرة.. أو يحمل المتسلل معه اسلحة وذخيرة وهي بدرجة اقل من الأولى.. حيث شهدت محاولات تهريب السلاح تراجعاً واضحاً.. والاحتمال الأخير هو أن يحاول المتسلل الدخول بنفسه دون أن يحمل معه أي شيء.. ويكون غالباً بطلب العمل في المملكة.. نظراً للانفلات الأمني في الجانب العراقي.. وتكون وجه العمل في المناطق البعيدة عن المدن في رعي الأغنام والإبل. وبعد تتبع تفاصيل إحباط عمليات التهريب المتتالية تبين.. أن المهربين يعتمدون على محاولة الدخول للحدود في الأوقات الصعبة في فصل الشتاء لطول الليل.. حتى يتمكنوا من تجاوز الحدود.. دون أن يفضحهم الصباح. وايضاً استغلال الظروف الطبيعية مثل الأمطار والغبار حيث يعمد بعض المهربين على البقاء قرب الحدود السعودية لأوقات طويلة.. في انتظار هطول المطر والغبار في اعتقاد منهم.. بأن هذه الظروف قد تساعدهم ولكن.. كل الدلائل تؤكد فشلهم التام في تنفيذ مخططاتهم.. ويعمل بعض المهربين على لبس (القصدير) محاولةً للهروب من عدسة الكاميرات الحرارية ولكن التجارب التي اجريت اثبتت فشل هذه الطريقة.. حيث يتضح الجسم جيداً حتى مع لبس القصدير.. وقد تمكنت احدى الدوريات من القبض على أحد المهربين لابساً القصدير.. وقد ظهرت صورته بشكل واضح في الكاميرا الحرارية وبعد 48 ساعة فقط من إحباط عملية تهريب 70 كغم من الحشيش في منفذ جديدة عرعر.. تمكنت أيضاً دوريات حرس الحدود في منفذ الشعبة من ضبط مهربين بحوزتهم (40) بلاطة حشيش.. حيث تم ضبطهم فور تجاوزهم الحدود السعودية.. بعد ان تتبع رجال الحدود آثارهم.. ورصدهم من خلال الكاميرا الحرارية والتي تعمل بشكل رائع.. على طول خط الحدود.. وفي مختلف الظروف. وكان قائد حرس الحدود بمنطقة الحدود الشمالية متابعاً ايضاً لهذه العملية.. بكل تفاصيلها وقد رفعت زيارته الروح المعنوية لكافة حرس الحدود. واضافت لحماسهم حماساً متقداً لا يعرف الهدوء والضعف والاستكانة والاتكالية.. ومن الأشياء الجميلة.. والتي تعكس حقيقة اختلاف رجل الأمن السعودي.. هي المعاملة الإنسانية التي يعامل بها المهربون بعد إلقاء القبض عليهم.. والتحقيق معهم حيث يعاملون بأفضل معاملة وتحفظ كرامتهم.. ويجري التحقيق بشكل متواصل وفور القبض بهدوء وبمهارة واحالتهم للجهات الأمنية المختصة في استكمال التحقيق.. فلا اكراه او ضرب أو إهانة بل اخلاق سامية وتعامل راقٍ.. يعكس معاني رائعة عن اخلاقيات الإنسان السعودي.. المؤمن بالله.. والذي يدافع بكل قوة عن حدود الوطن.. وحماية الأبناء من وباء المخدرات التي تفتك بأي مجتمع وتنهي كل القيم.. وتدّمر كل البيوت السعيدة وتخلق مجتمعاً هامشياً.. فلا علم.. ولا انجاز.. ولا تقدم.. ولا تعليم ولأن اساس العملية الأمنية هو رجل الأمن.. المرابطة بالميدان والذي تتكسر عنده كل محاولات الشر. باجتياز الحدود.. فقد كان لزاماً علينا.. ونحن نتنقل من مركز لآخر.. ان نتلمس احتياجاته واحلامه وآماله وآلامه..ونقلها للمسئولين.. حتى تبقى روحهم المعنوية متألقة دائمة.. وبعيدين عن ضغوط العمل.. التي قد تؤثر على ادائهم لرسالتهم في حماية حدود الوطن.. من أطماع المهربين.. فبعد ان سمعنا.. لرجال الحدود في منفذ جديدة عرعر ومنفذ العويقيلة.. وتوجهنا ايضاً لمراكز رفحاء وهي (مركز البوبهي) والظفيري - البطن - النظيم - السادة - ربيثان - وايضاً مراكز الشعبة (الصداوي - نصاب - الكسر - ام الجراد - مركز سماح.. اقول.. فبعد زيارة كل هذه المراكز.. اتضح لنا ان الاحتياجات واحدة والآمال واحدة.. والهموم ايضاً فعند مقابلة اي فرد من حرس الحدود وسؤاله عن اهم متطلباته ومشاكله.. تكون الاجابة هو توفير الاتصال الثابت لنا حتى نتمكن من التواصل مع أهلنا والاطمئنان على ابناءهم.. فكل مراكز الحدود بمنطقة الحدود الشمالية قد اجمعت على أهمية توفر الاتصال مع الأهل.. لأن عملهم يتطلب بقاءهم مدة طويلة قد تصل إلى شهرين في بعض الاحيان.. وشهد في اغلب الأوقات.. وقد قامت (الجزيرة) بنقل هذا الموضوع لقائد حرس الحدود بالمنطقة اللواء العنزي: والذي أبدى استعداده لحل كافة المشاكل التي قد تواجه رجال الحدود.. وأكد أن الاتصال سوف يتم قريبا لكافة المراكز.. التي لا يوجد بها امكانية الاتصال.. واشار.. إلى أن الاتصال قد تم تجريبه في بعض المراكز.. وقد أظهر تجاوباً وسوف يوّفر في اقرب فرصة.. وبشكل سريع. وقد عبَّر بعض رجال حرس الحدود بعد انتهاء عملهم وعودتهم للمدن.. عن شكرهم وتقديرهم لمبادرة (جريدة الجزيرة).. والتي نقلت معاناتهم فور العودة من الجولة على الحدود.. وبشكل أقل فقد ناشد عدد من رجال الحدود.. بزيادة اعداد الأفراد.. في كل مركز.. حتى يتمكنوا من الاستمتاع بإجازة أطول.. اما ما عدا ذلك فكل الأمور.. تسير بشكل جيد.. فالأكل والشرب موّفر وبأنواع متعددة.. ترضي كافة الأذواق.. وهناك انتظام ملحوظ.. بمواعيد الوجبات.. حيث توجد في كل مركز.. ثلاجات ضخمة ومخازن اغذية كبيرة ويوجد أيضاً.. عمال في كل مركز.. يقومون بأعمال النظافة وغسيل الملابس وتجهيز الأكل والشرب.. وترتيب غرف النوم.. وذلك للتخفيف على رجال الحدود.. الذين يأتون للمركز وهم منهكون بعد عمل متواصل.. خلال ساعات العمل المحددة لكل فرد. وقد لاحظنا.. أعمال التحديد في المراكز.. وتنظيمها. وجميع المراكز.. بشكل موحد.. وقياسات واشكال متشابهة.. وحتى المسافات بين المراكز.. متقاربة.. حيث يتولى كل مركز.. مراقبة.. الحدود في منطقة ومسافة محددة لكل مركز.. مما يعطي العمل انسيابية وعدم تداخل.. وبعد أن سألنا عن كل شيء.. وراقبنا.. عن كثب طريقة العمل واشبعنا فضولنا الصحفي.. تركنا.. لأفراد حرس الحدود في باقي المراكز.. في العويقيلة ورفحاء والشعبة يتحدثون لنا عن تجاربهم الخاصة.. وأصعب اللحظات التي مرت عليهم في عملهم الشاق.. وكنا نستمع بشغف وتعصب.. من الخطورة البالغة التي يواجهونها في عملهم.. والثقة.. التي يتميزون بها.. والايمان الكامل الذي يحملون في نفوسهم عن أهمية الدفاع عن الدين والوطن.. وحماية الشباب من شرور المخدرات.. في البداية تحدث أحد الأفراد بقوله.. بعد أن علمنا بدخول عدد من المتسللين للحدود.. وتجاوزهم للعقم الأول.. قسمنا العمل فيما بيننا.. وكنت أنا مكلف بالنزول لوحدي.. والتخبي ومراقبتهم وتحديد وجهتهم من خلال (الدورية الراجلة) يقول كنا في برد شديد ومساء.. وبعد انتظار طويل.. سمعت همساتهم بالقرب مني.. وكنت أنا قليل الخبرة.. وصغير في السن واستمررت في مراقبتهم حتى اصبحوا على بعد خطوات قريبة جداً مني وتركتهم حتى تجاوزا مكاني.. وبعد ان تعمقوا بالدخول.. اشهرت سلاحي.. وامرتهم وهم ستة متسللين بالوقوف في مكانهم وعدم التحرك ولكن احدهم كان يتحرك ويتمرد على امري ومن باب الانذار اردت ان اطلق طلقة تحذيرية حتى يلتزم.. ولكن سلاحي لم يطلق لقلة خبرتي وحاولت.. حتى ادرك المتسللون ان في الأمر شيئا.. وانني غير قادر على اطلاق النار وبعد تقدمهم نحوي سميت بالله وفي آخر لحظة وبعد محاولات حثيثة استجاب سلاحي ولم يخذلني في ذلك الموقف العسير.. واخذت في اطلاق النار بشكل تحذيري وبعدها استجابوا واتيت اقرب دورية.. كانت تبحث عنهم والاشارة المحددة هي اطلاق النار.. وتم القبض عليهم وتسليمهم للتحقيق. ويضيف احد الجنود بقوله: لقد اضطررت للسير على الاقدام أكثر من 40 كم في حر شديد.. وذلك لقص اثر احد المتسللين.. حتى تم القبض عليه.. وهو مختبي خلف أحد الجبال.. وعن ذلك اليوم يقول: صدقني أنني لم اشعر بالتعب حتى قبضت على المتسلل.. ولم أصدق انني مشيت كل هذه المسافة.. لأن حب الوطن وحماية ابنائه تتطلب المزيد من الجهد والمثابرة والجلد. وبعد أن استمعت للمزيد من المواقف البطولية.. لرجال الحدود.. لاحظت بأن الجميع لم يذكروا مواقف المطاردة من خلال السيارات.. بل كل المواقف.. متابعة آثار.. حتى امساك المهرب والمتسلل.. وقد ازال علامة الاستفهام احد قادة المراكز بقوله: منذ سنوات طويلة.. لم تسجل حالة محاولة تهريب من خلال السيارة وقد ذهبت معه.. وشاهدت (عقوم ترابية) طويلة وضخمة.. ولا يمكن ان تتجاوزها أية سيارة مهما كان نوعها.. ومضيفاً: بانه من المستحيل ان تتجاوز السيارة هذه العقوم وتبقى فقط محاولات التسلل من خلال السير على الاقدام.. ومؤكداً ايضاً بانها مكشوفة جداً لنا.. ومن السهل القاء القبض على أي متسلل في الليل والنهار والبرد والحر. وذلك لوجود الرجال الابطال والأجهزة المتقدمة جداً.. ولوجود كذلك العزيمة على حماية الوطن من بلاء المخدرات والمتسللين.. ويضيف أحد الجنوب بقوله: لا ننسى أن موسم (الفقع) من الايام الصعبة جداً لنا.. حيث إن غالبية المواطنين يقتربون من الحدود.. ويتركون النساء في العراء للبحث عن الفقع.. وهذا شيء محرج لنا فكيف لنا ان نتعامل مع امرأة تصَّر على البحث.. في مكان لا يمكن السماح بدخوله.. ومطالباً في حديثه المواطنين بالتحلي بالحكمة.. والبحث في الأماكن المسموح بها فقط.؟ واثناء حديثنا مع بعض الافراد كنا نشاهد بعض الدوريات العراقية وعدد من الأفراد في الأراضي العراقية.. سألتهم بفضول.. هل يجري بينكم إتصال أو يأتي احد من الجنود العراقيين للأراضي والمراكز السعودية جاوب الجميع بالنفي وقالوا: اننا نلتزم بحدود اراضينا وهم كذلك ولا مجال للاتصال.. فنحن في عمل. واضاف احد الجنود بقوله: ليتهم يستقرون ويقومون بعملهم لمنع من يحاول التسلل لنا.. وعن السبب يقول: اننا نقوم بعملنا وعملهم.. للاضطراب الأمني لديهم. وقد كنت استمع بإعجاب.. للمستوى الثقافي والفهم الكبير للأبطال على الحدود وادراكهم لأهمية الدفاع عن الوطن.. ووعيهم بمعنى أن تكون مسؤولاً عن حماية أمة.. شعارها (لا إله إلا الله محمد رسول الله). ولأن ابطالنا يستحقون الكثير منا.. فقد قدمت (الجزيرة) درعاً تذكارياً.. لقائد حرس الحدود بالمنطقة.. تقديراً منا.. لعملهم المشرف. والبطولي واعجاباً بما رأيناه من عمل متطور.. وأسلوب حديث في الإدارة والمراقبة.. فما دام.. هذا هو عمل ابطالنا.. وهذا إخلاصهم.. ووعيهم فنحن آمنون.. آمنون. بأمن من المولى عزّ وجلّ.. أسأل الله ان يبارك مساعيهم ويحفظ لنا أمننا واستقرارنا..آمين يارب العالمين.
الحلقة الأخيرة |