العيون علق الاتصال بين الأفئدة، وخطاب الوصال بين الأحبة، وموقع الهيام والوجد. وهي أداة الحاسد، ومعول المغتاب، وسيف السلطان. وهي كتاب المتفرس، ودليل المرتاب، وشاهد القاضي. وهي فاترة خجول وطفاء ساحرة. وهي سوداء كظلمة الليل، زرقاء كماء البحر، خضراء كرونق الربيع. وهي سهام مبهجة، وسهام مؤلمة، وسهام مميتة، وسهام مفيقة، وسهام حانية، وسهام قاسية. وبتناقضها اكتمل حسنها، ولأجله زاد التعلق بها. وكلنا يردد قول جرير:
إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ
قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا
يَصرَعنَ ذا اللُبَّ حَتّى لا حِراكَ بِهِ
وَهُنَّ أَضعَفُ خَلقِ اللَهِ أَركانا
لقد قتلت العيون (جرير)، أما أنا - فبعون الله - ليست لي بقاتلة، فلدي من الدروع ما يكسر سهامها، وأعلم أن مثلي كثير، ومثل جرير أكثر من ذلك، وأنا والله لست مثل ابن رشيق الذي غلبته العيون فأسرته، ولم يردها عن غوايته ما يملكه من عزم وصبر، فإذا هو يقول في قصيدته:
عَيناكَ أَمكَنَتِ الشَيطانَ مِن خَلَدِي
إِنَّ العُيونَ لَأَعوانُ الشَياطِينِ
فُتُونُ عَينَيكَ تَنهاني وَتَأمُرُني
وَوَردُ خَدّيكَ يُغري بِي وَيُغرِيني
أما صاحب قصيدة اليتيمة التي اختلف الرواة في قائلها، ولهذا سميت بهذا الاسم، فقد أجاد حيث قال:
وَكأَنَّها وَسنَى إِذا نظَرَت
أَو مدنَفٌ لما يُفِق بَعدُ
بِفتورِ عَين ما بِها رَمَدٌ
وَبِها تُداوَى الأَعين الرُّمدُ
والوسنى: مؤنث وسنان، وهو الذي أثقل النعاس عينه، والمدنف: الذي اشتد به المرض ولك أن تتخيل عين المرأة الناعسة أو تلك المريضة التي تطبق عينيها شيئا فشيئا من شدة الألم مع فتور وخدور.ومن الحكمة أن يدرك المرء أن العين هي الطريق إلى القلوب، لكن ليس بالضرورة أن تكون الطريق إلى استكشاف ما خفي من الجمال، فقد تكون العين حوراء، كحلاء، فاترة، واسعة، وطفاء، وسناء، ناعسة، لكنها تخفي وراءها وجها قبيحا، ومقبلا واسعا، وأنفا أجدع، وغير ذلك من ملامح القبح، ولذا كان من الحكمة التروي قبل الافتتان، والتعقل قبل الإقدام، وحري بنا أن نعي قول الشاعر العربي حيث قال:
إذا بارك الله في ملبس
فلا بارك الله في البرقع
يريك عيون الدمى غرة
ويكشف عن منظر أشنع
أما ابن زيدون الشاعر الأندلسي المبدع، الذي أبدع في المدح، ووصف الطبيعة، والغزل، ووصف المكنون دون التطرق للإكثار من وصف الجسد وأدواته في الفتون، فقد أومأ إلى العين فقال:
لعمر هواك ما وريت زناد
لوصل منك طال لها اقتداحي
وكم أسقمت من قلب صحيح
بسقم جفونك المرضى الصحاح
وعلينا أن ندرك أن العرب قد شبهوا عيون النساء، بالعيون الجميلة مما لديهم من الحيوانات، مثل عيون المها، والظباء، لأن بها سواداً يشبه الكحل الذي اعتادوا على التكحل به لإضافة مزيد من سواد العين الذي عشقوه، والعين لغة إشارة دون حركة، كما أنها قد تكون لغة إشارة بحركة، يدرك المتلقي ما تعني على أمل ألا يكون واهما، وعمر بن أبي ربيعة الشاعر المشهور الذي كان يتصيد النساء الذاهبات إلى الحج ويتصيدنه، كما تنقله لنا كتب الأدب قال:
أَومَت بِعَينَيها مِنَ الهَودَجِ
لَولاكَ في ذا العامِ لَم أَحجُجِ
ومن الحق أن نقول إن العين ليست أداة غزل وحب، بل قد تكون رسالة غضب أو رضا، وقد تكون رسالة استئناس أو استثقال، واللبيب بالإشارة يفهم، وهي رسالة إكرام وإجلال، وأبو العتاهية التي أودعه هارون الرشيد السجن قال يناشده:
تَذَكَّر أَمينَ اللَهِ حَقّي وَحُرمَتي
وَما كُنتَ تولِيني لَعَلَّكَ تَذكُرُ
فَمَن لِيَ بِالعَينِ الَتي كُنتَ مَرَّةً
إِليَّ بِها في سالِفِ الدَهرِ تَنظُرُ
هكذا هي العيون أجارنا الله من عين الحاسد، ورزقنا عين المحب الصادق، وحفظ أعيننا من النظر إلى ما حرم الله.