ألَّف السيناتور الأمريكي بول فندلي كتاباً تحت عنوان (من يجرؤ على الكلام) تحدث فيه عما يمكنني تسميته بالإرهاب الفكري الذي يمارسه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية والذي يهدف إلى شل قدرة الإنسان على النقد ومناهضة السلوكيات السيئة للمنتمين إلى جماعة الضغط هذه، ويعتمد هذا النوع من الإرهاب على الأكاذيب والإشاعات وتشويه السمعة والتشكيك في العقل والقدرات والانتماءات، وهذه هي المرحلة الأولى لهذا النوع من الإرهاب، أما المرحلة الثانية فتعتمد على الإرهاب المادي بجميع أشكاله وصوره. وتحت وطأة القهر والإرهاب ظهرت في كل المجتمعات مقولات وتعبيرات تمجّد الخنوع والاستكانة والسكوت، وهي موجودة في تراثنا الثقافي والمعرفي العربي بكثرة، فنجد بعض تلك المقولات تجعل من الكلام فضة ومن السكوت ذهباً، وأخرى تحث على مسايرة الجماعة وإن ضلوا، ومن قبيل ذلك في المجتمعات الأوربية عبارة تقول: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم. واستتبع ذلك أن غدت التنشئة والتربية في كثير من المجتمعات في الماضي والحاضر تنشئة وتربية يغلب عليها طابع الاجترار والقهر والتسلّط، ورأينا الضبط الاجتماعي فيها يلجم الأفراد ويصادر حقهم في طرح التساؤلات والتفكير الحر المستقل، وأدى كل ذلك إلى تفشي الباطل والتملّق والنفاق، وتضخم المشكلات الاجتماعية وخلط المفاهيم وازدواج الرؤية وعدم اليقين التام بصحة ما لا يختلف اثنان على صحته، والتفكير في التصديق بما يتضح خطؤه كوضوح الشمس في رابعة النهار. وإذا كان الإرهاب يلجم أشخاصاً ويجعلهم لا يجرؤون على الكلام فإنني أرى أن عواقب خداع النفس والأجيال، وكبت الضمير أو سحقه، وتجاهل الحق، هي أكثر إيلاماً على الإنسان من شتَّى صنوف الإرهاب، وبخاصة أن الساكت عن الحق في الإسلام شيطان أخرس. ومن هذا المنطلق فإنني لا أجرؤ على السكوت إزاء جملة من الحقائق، ومنها: أولاً: أننا قد بالغنا في الثقة بأناس من أبناء مجتمعنا لمجرد مظهرهم وفصاحة منطقهم إلى درجة أغرتهم باستغفالنا ومن ثم غدرنا والمتاجرة بأمننا وحياتنا. ثانياً: أن أفظع الكوارث التي تعرضت لها الأمة العربية والإسلامية جاءت على أيدي أبنائها أو على الأقل بمشاركتهم. ثالثاً: أن أفظع الجرائم التي عرفتها البشرية اقترفت تحت مظلة الشرعية الدولية. رابعاً: أن إسرائيل والولايات المتحدة تسيطران على جميع المنظمات والأنظمة الإسلامية غير الشرعية وتوجهانها لخدمة أهدافهما. ففي الحقيقة الأولى سمح مجتمعنا لكل من سموا أنفسهم بالدعاة إلى الله بممارسة أنشطتهم دون تمحيص ومراقبة كفؤة حتى يعرف الصالح منهم من الطالح، فاستغل المنتفعون الأنانيون منهم مواردنا وأبناءنا، فجمعوا أموالاً طائلة بعثروها شرقاً وغرباً لا لخدمة العرب والإسلام وأهله وإنما للمضارة، وكانت هذه المضارة بقصد منهم وسوء نيَّة، أو بغباء وغفلة. وزرعوا في عقول أبنائنا ثقافة إرهابية مميتة نحتاج إلى جهود مضنية وأموال طائلة لمحوها وإعادة تأهيل العقول المخربة، وكل ذلك على حساب التنمية في جميع المجالات. وفي مجال الحقيقة الثانية نجد أن الثورات التي زعمت الإصلاح والتقدم للشعوب العربية والإسلامية، والحركات والمنظمات التي ظهرت تحت ذريعة نصرة العرب والمسلمين والدفاع عن أرضهم وثرواتهم قد جرّت على هاتين الأمتين أذيال الخيبة والدمار والهزيمة، وإذا ما اختصرنا الزمن والأحداث حصلنا على أوضح الأمثلة كثورة الصومال وما على شاكلتها، واحتلال الكويت على يد النظام العراقي البائد، وما سمي زوراً وبهتاناً بحركات الجهاد في أفغانستان وأوربا وأمريكا، وحركة طالبان وما في حكمها من الجماعات الإرهابية من أفغانستان إلى العراق، فالسعودية، فالجزائر وأفريقيا.. كل أولئك كانوا خناجر في خاصرة الأمتين العربية والإسلامية ولن تندمل الجراح التي أحدثوها لزمن طويل. أما الحقيقة الثالثة فنجد أن الشرعية الدولية قد وفرت الغطاء الجائر لأفظع الجرائم التي اقترفت ضد العرب والمسلمين. ففي البلقان إبان حرب البوسنة والهرسك وجد الصرب والكروات صعوبة بالغة في خلخلة قاعدة المجتمع المسلم هناك بسبب ضراوة واستبسال المدافعين المسلمين عن أرضهم ومجتمعهم، فاستدرج المسلمون من قبل الأمم المتحدة وتم تجميعهم في معسكرات بدعوى اضطلاع الشرعية الدولية بحمايتهم من الإبادة التي يشنها الصرب والكروات ثم انقض عليهم الصرب في هذه المعسكرات لتتم المذابح الجماعية وعمليات الإبادة الحقيقية على مرأى ومسمع من قوات الأمم المتحدة، ثم عمدت الشرعية الدولية إلى استيعاب عشرات الألوف من شباب المسلمين في البلقان داخل كندا وأمريكا بعيداً عن أوربا بهدف خلخلة المجتمع المسلم الوحيد في أوربا وتحويل المسلمين هناك من مجتمع متكامل إلى أقلية شأنها في ذلك شأن الأقليات الإسلامية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا وألمانيا وباقي دول الغرب. وفي الشرق الأوسط اضطلعت الأمم المتحدة بالدور نفسه تجاه العرب فيسَّرت لمجرمي الصهيونية ذبح الآلف من الأبرياء في صبرا وشاتيلا وقانا؛ إذ تم تجميع العرب في هذه المعسكرات بدعوى رعايتهم وحمايته الأمر الذي سهَّل الهجوم عليهم في أماكن محددة وذبحهم، وحين قدَّم الأمين العام للأمم المتحدة إبان مذبحة قانا (بطرس غالي) تقريراً وردت فيه جملة تقول: (إنه ربما أن إسرائيل قد تكون تعمدت حدوث مذبحة قانا) تحول بفعل الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضده إلى رجل غير كفء لشغل هذا المنصب. أما الحقيقة الرابعة فلم أر أن منظمة إرهابية إسلامية قامت بأي عمل إلا وفيه مصلحة لأمريكا وإسرائيل والشواهد على ذلك كثيرة تعالوا نستعرض بعضاً منها: 1- وقع تفجير مجمع المحيا بالرياض قبل أقل من يوم على زيارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول للمملكة العربية السعودية في وقت شديد الحساسية بسبب مواقف المملكة المعارضة لاحتلال العراق والخلاف مع الإدارة الأمريكية حول عدد من القضايا الداخلية والعربية والعالمية. 2- وقع تفجير مجمع الأمن العام في شارع الوشم بالرياض أثناء اجتماع مساعد وزير الخارجية الأمريكي آرميتاج بوزير الخارجية السعودي في وقت كانت المحادثات فيه تدور حول استمرار المواقف السعودية على ثباتها ورفضها التدخل في شؤونها الداخلية كالتربية والإعلام المحلي ودعم المنظمات الإسلامية الخيرية.. وغير ذلك كثير. 3- عندما تصبح إسرائيل في مأزق بسبب ضغوط الرأي العام العالمي- ذي المنشأ المجتمعي وليس السياسي بالطبع - تنفذ إحدى المنظمات الإسلامية في فلسطين المحتلة عملاً تفجيرياً تقتل فيه عدداً من المواطنين المدنيين الإسرائيليين فتتحرر إسرائيل من هذه الضغوط وتؤلّب الرأي العام العالمي ضد العرب وتسوغ عمليات الاغتيال الفردي والجماعي التي تنفذها ضد زعماء وناشطي الفصائل المقاومة للاحتلال. وتستغل إسرائيل حوادث التفجير هذه لتصوير تلك المنظمات بأنها منظمات إرهابية وليست تحريرية. ولا أخفي أنه يتملكني الغضب والاستغراب كلما سمعت بعملية من هذه العمليات، إذ كيف تترك هذه المنظمات أفراد الجيش الإسرائيلي يتجولون بالعشرات داخل المدن الفلسطينية وتذهب إلى قتل المدنيين الإسرائيليين في المطاعم والحافلات.. حقاً إنه لأمر غريب لا أجد له تفسيراً سوى أن إسرائيل قد اخترقت هذه المنظمات وأصبحت توجهها الوجهة التي تخدم أهداف الاحتلال. 4- وقع حادث تفجير الفنادق الأردنية الأخير قبل وصول وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلى إسرائيل ومناطق السلطة الفلسطينية للمساعدة في حل قضية معبر رفح، فقدَّمت المنظمات الإرهابية بهذه التفجيرات أفضل دعم لإسرائيل مكَّنها من التمسك بموقفها ولسان حالها يقول: (انظروا ماذا يفعل هؤلاء العرب ببعضهم البعض، إننا نخشى من وصولهم إلى إسرائيل من معبر رفح لذلك لا بد من استمرار سيطرتنا على هذا المعبر ولو بشكل جزئي). 5- بعد سقوط الاتحاد السوفيتي كانت أمريكا ستنكمش حقاً، لأن مبرر وجودها في معظم مناطق العالم قد انتهى، في الوقت الذي يوجد لها مئات الألوف من أفراد الجيش تصرف عليهم الدول التي كانت مهددة وهمياً، وإذا عادوا إلى وطنهم فلا شك أنهم سيتحولون إلى عاطلين عن العمل ومن ثم سيتدهور الاقتصاد الأمريكي وربما ينهار، فتطوَّع صدام حسين لتسليم الخليج لأمريكا على طبق من (بترول) وتطوَّعت منظمة القاعدة بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر لتتمدد أمريكا وتهيمن أكثر من ذي قبل، ويزول عنها الخطر الذي كان سيدهمها لا محالة لولا هذه النجدة المخلصة. 6- وقعت حماقة وجريمة اغتيال رفيق الحريري في وقت كانت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على أتم الاستعداد لشراء مثل هذه الفرصة بأغلى ثمن لأنها ستوفر فرصة لا تعوّض لتطويع سوريا أكثر من ذي قبل، وتتيح فرصة لوجود القوات الأمريكية على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط ليكتمل حزام السيطرة الأمريكية على آسيا. ووسط هذا الكم المرتب من الأحداث فإنني لا أجد أن حدثاً رئيسياً وقع خارج الإرادة الأمريكية سوى عملية الصلح والسلام في السودان، وقد دفع جون قرنق حياته ثمناً لتغريده خارج السرب الأمريكي، ومن الأدلة على أن عملية السلام هذه كانت بغير إرادة أمريكا أن العقوبات المفروضة على السودان لا تزال قائمة في الوقت الذي كان ينبغي أن تُرفع فيه لانتهاء السبب الذي فُرضت من أجله وهو الحرب في جنوب السودان، وأتمنى ألا يرتكب أحد في السودان حماقة كحماقة اغتيال رفيق الحريري حتى لا يكون السودان هو البوابة التي تدخل منها القوات الأمريكية القارة الأفريقية.. ولا شك أن ذلك الحدث لو تم فإنه مطلب أمريكي وإسرائيلي بالدرجة الأولى. وفي الختام: مسكينتان هما الأمتان العربية والإسلامية.. إنهما بين مطرقة الغرب وسندان الثوريين والمنظمات الإرهابية والأنظمة غير الشرعية من بني جلدتنا. أقول ذلك وغيره رغم المخاطر، ولست أفتخر إذا قلت إنني تلقيت تهديداً صريحاً بالتعرّض للأذى، ورغم ذلك فإنني لا أجرؤ على السكوت عن التحدث بهذه الحقائق.. ولله ما أخذ وله ما خلّى.
|