Friday 18th November,200512104العددالجمعة 16 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "أفاق اسلامية"

صيام الست والتوسعة في النوافلصيام الست والتوسعة في النوافل
د. فهد بن عبدالرحمن اليحيى (*)

تأملت الكتاب والسنة فألفيت باباً مفتوحاً واسعاً قد حفت به الحوافز والجوائز.. ذلكم هو باب التطوع والنوافل، حيث قد وسع الله فيه وجعله ميداناً للمسابقة، ولم تكن الحال فيه كالحال في الواجبات.
إن هذا الدين لا جرم كله يسر وسماحة.. يقول سبحانه: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(185)سورة البقرة. ويقول جل وعلا {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}(286)سورة البقرة. ويقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).
ولكن منهج الإسلام أن جعل للفرائض مكانة عظيمة، كما في الحديث القدسي (وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه) متفق عليه.
ولذا اعتني الإسلام بكونها على صفة معينة قدر الاستطاعة، بخلاف نوافلها فوسع فيها ولم يشترط لها جميع ما اشترط في الفرائض.
فالنوافل في باب الصلاة تصح من الجالس ولو كان قادراً على القيام (وتكون على النصف من ثواب القائم)، وتصح إلى غير القبلة على الراحلة في السفر، وتصح بالتيمم - عند بعض العلماء - في حال الخشية من فواتها.
والعمرة لكونها باباً للتطوع يتكرر في العام كثيراً (فليست كالحج) سقط فيها طواف الوداع في أقوى القولين في المسألة (وبه أفتى شيخنا ابن باز).
وفي باب الزكاة فتح تطوع الصدقة دون حد أو تقدير أو نصاب أو حول، بل دون تعيين مصرف لها سوى أن يكون موضع بر أياً كان..
وكذلك الحال في باب الصيام، حيث إن صيام التطوع يختلف عن صيام الفريضة في كونه يصح بنية من النهار (أي لا يجب فيه تبييت النية) ويجوز قطعه (الصائم المتطوع أمير نفسه) بخلاف الواجب فلا يجوز قطعه (ومنه صيام القضاء لا يجوز قطعه).
وإذا نظرنا إلى صيام الست من شوال فإنه لا يخرج عن كونه نوعاً من أنواع صيام التطوع؛ لذا ينبغي التوسعة فيه ما دامت الأدلة لا تمنع من ذلك، فمن ذلك:
1- لا يشترط أن يبتدئ من ثاني يوم العيد كما قد يُظَن، بل لا نستطيع الجزم بأنه أفضل إلا بالاستناد إلى فضيلة المبادرة إلى الأعمال الصالحة وخشية حصول المانع.. أما لفظ (ثم أتبعه ستاً من شوال) فليس نصاً صريحاً.
2- لا يشترط تتابع هذه الأيام، فلو صامها مفرقة أدرك فضيلتها، وكذلك هنا لا نجزم بأن الأفضل تتابعها لعدم الدليل على ذلك، بل يرجع هذا إلى الأيسر على المسلم والأرفق به.
3- يصح بنية من النهار بمعنى أنه لو قام في الصباح، ولم يكن نوى من الليل أن يصوم، فله أن ينوي من النهار في أية ساعة ما دام لم يتناول مفطراً.
وهذه مسألة مختلف فيها، ولكن هذا الذي يظهر لي؛ لأنه لا يخرج عن صيام التطوع وأحكامه، ولا فرق بين التطوع المعين والتطوع المطلق. والله أعلم.
4- لا يشترط في صيام الست أن يداوم عليها كل سنة، بل هو تطوع متى صامه نال به الثواب وإن تركه فلا حرج عليه.
5- لا يشترط أيضاً أن تكون ستة أيام تامة، بمعنى أن من صام منها يوماً نال ثوابه إن شاء الله فإن أتم الستة تحقق له ثواب الستة.
وإنما نبهت على هذا لكون البعض قد يظن أنه لا ثواب لها إلا أن تكون ستة، فلو لم يستطع إلا على بعضها فلا داعي أن يصومها، ولو بقي عليه من شوال يومان أو ثلاثة ولم يصم فإنه لا يصوم.. وهذا غير سديد؛ إذ عموم الأدلة ظاهرة في أن كل حسنة يفعلها المسلم تكتب له كما في قوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}(7)سورة الزلزلة، بل في حديث الست من شوال بيّن عليه الصلاة والسلام أنها كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها فاليوم بعشرة أيام فإذاً من صام يوماً منها فهذا بعشرة ومن زاد زاده الله تعالى، ومثله يقال في اعتكاف العشر الأواخر من رمضان أن من اعتكف يوماً نال به ثوابه، وليس شرطاً أن تكون عشرة.
6- بقيت مسألة مهمة تنازع فيها العلماء المتقدمون والمعاصرون وهي: هل يصوم التطوع ولو كان عليه قضاء؟ والذي يظهر لي في التطوع الذي يفوت وقته كصيام الست وعرفة وعاشوراء أنه يصح تقديمه على القضاء إذا أمن من نفسه التمكن من القضاء، وإن كان الأفضل هو تقديم القضاء، وإنما قلت ذلك لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها ( كان يكون عليّ الصيام من رمضان فما أقضيه إلا في شعبان للشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم) (متفق عليه).
فلو قلنا لا بد من تقديم القضاء لكانت النتيجة بناء على قولها هذا أنها لا تصوم تطوعاً أبداً لا عرفة ولا عاشوراء ولا الست من شوال.. وهذا بعيد كل البُعد في حق السيدة عائشة رضي الله عنها، لا سيما أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر الصحابة بصيام عاشوراء أطلق ولم يقيد ذلك بمن لم يكن عليه قضاء، لذا فإننا نقول للمرأة حين تكون عليها أيام قضاء بادري بالقضاء ثم صيام الست، فإن كان في ذلك شيء من المشقة فصومي الست من شوال واقضي في الأشهر بعد ذلك، وهذا موافق لما ابتدأناه من التوسعة في باب التطوع. والله أعلم.

(*) جامعة القصيم

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved