Friday 18th November,200512104العددالجمعة 16 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الرأي"

يَقَظة الشعوب يَقَظة الشعوب
د. موسى بن عيسى العويس/ تعليم الرياض

الجريمة أيّاً كان نوعها، وأيّاً كانت دوافعها، وأيّاً كان زمانها ومكانها تهز الضمير الإنساني، وتزلزل قيمه، وتهدم ثوابته، وتنافي أعرافه، وتحرف مساره إلى مسارات أخرى، ولا فرق بين الجرائم الفردية والمنظمة في هذا الحكم، ولا عبرة كذلك بمن استهدفت، سواء كان قائداً سياسياً، أوزعيماً دينياً، أومناضلاً حزبياً، فالناس أمام العدالة السماوية متساوون، دماؤهم معصومة، وحقوقهم محفوظة، وأعراضهم محرمة، بصرف النظر عن الدين، والجنس، واللغة، وغيرها من الفوارق العرقية. هذا هو المبدأ، أو هكذا يفترض أن يكون عليه الناس، إلا بسببٍ مشروع، يتيح لهم سلوكاً آخر، وفق توجيهٍ محدد، ورؤية واضحة.
ولمتساءل أن يتساءل: ولماذا تُخاطب الشعوب في قضاياً قد لا يكون لها يدٌ فيها، ولا حول لهم ولا قوة، فأقول: ما من نظام حاكمٍ واعٍ، أو سلطة واعدة إلا وتدرك تمام الإدراك أن قوتها مستمدة من الله، ثم من وعي شعوبهم، وإدراكهم للمخاطر التي تحيط بهم، والتحديات التي تواجههم.. والشعوب عليها واجبات ومسؤوليات يجب ان تنهض بها وتمارسها، وفي طليعة واجباتها أن تضع أهداف وتطلعات قياداتها نصب أعينها. هذا التفاهم يدرك حقيقته صناع التاريخ المتمرسون بصناعته، وأساطين السياسة الراسخون بفنونها. ولذا تراهم يبنون ممالكهم وحضارة أمتهم على هذا النهج، ولا يحاولون التحرك إلا وهم يعرفون ما يدور في هواجس شعوبهم، وما يحلمون به، وما يتطلعون إليه من رؤى وأفكار؛ كي يحفظوا للمجتمع لحمته ووحدته، واتحاد هدفه. هذه حقائق مؤكدة لا يختلف عليها، أو يخرج عنها إلا ذوو النظرة الأحادية، أو النزعة الفردية.
قبل فترة، اغتيل (رفيق الحريري)، وسبقه على هذا الخط الكثر من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، وغيرهم من الطوائف، أو الشعوب الأخرى، ولا يزال مسلسل التصفيات مع الأسف يعرض حلقاته، الواحدة تلو الأخرى، وإن اختلف به المكان، أو تباعد به الزمان.
حوادث عديدة ينكأ بعضها جراح بعض، ويخدم بعضها بعضاً من حيث لا يشعر بعض المهتمين بهذا الشأن. يوظفها دعاة الخير والسلام لما يخدم المجتمعات الإنسانية، ويقوي من تماسكها وتآلفها، ويحفظ توازنها وترابطها، بينما يستغلها الأشرار والمناوئون للحريات للوقيعة بين الطوائف، والمجتمعات، والدول. كل يستخدم الحدث ويوظفه، حسب ما تمليه عليه شريعته، وقيمه، وأخلاقه، ومصالحه. ولولا هذا التباين والاختلاف بين الناس، في مثل هذه المواقف، ما زكت أمة على أخرى، ولا علا تشريع على آخر، أو جيل دون جيل، أو كان له خصوصية ينفرد بها عن غيره، ويمايز بها سواه من سائر التشريعات، والأنظمة والقوانين.
طبيعي أمام هذه الأحداث أن يتحرك المجتمع الدولي بمنظماته وهيئاته الرسمية، وطبيعي أن يختلف الموقف من شخص إلى آخر، ومن حادثة إلى أخرى، ومن دولة إلى دولة، ومن جنس إلى جنس. تصمت الأفواه والضمائر حيناً، وتتحرك حيناً آخر.
ومهما وصلت درجة الإحباط واليأس في الشعوب، فإنها تخطئ كل الخطأ إن هي ظنت أن الجريمة لا يتحرك لها إلا الإنسان المكلوم، أو الأمة الجريحة، فالعالم الحي، والشعوب اليقظة النزيهة، مهما أسأنا بها الظن، وألحقنا بها ألواناً من التهم، بحكم ما يمارس عليها من تعتيم أحيانا، إلا أنها لا تخلو من فئات خيرة، ذات عقول نيّرة، تتحرك بدافع من دينها، وقيمها، وأخلاقها، وتقاليدها، وثقافتها، وحضارتها، وإنسانيتها. والأنظمة الحاكمة أيأ كان نظام الحكم فيها تدرك تمام الإدراك أنه متى اختلفت نظرة الأفراد والشعوب إلى المنظمات الدولية التي تحكم النظام العالمي، ويحتكم إليها في المنازعات، كان ذلك إيذاناً بانهيارها، وسيطرة شريعة الغاب على المجتمعات، فاستيعاب مطالب الشعوب واحتياجاتها، ووأد مظاهر التفرقة العنصرية بينها، يحسب له العظماء من القادة السياسيين ألف حساب، والعالم في هذا العصر بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى ما يردم الهوة بين ثقافاته ويقرب بينها، عبر القواسم المشتركة.
لم يعد العالم كما كان سابقاً محاطاً بسياج قوي، أو تعاني بعض قاراته وأقاليمه العزلة التي يفرضها نظام، أو جغرافية معينة، بل أصبح العالم، كما يقال: يعيش في قرية واحدة، يتقاسم الهموم، ويتشاطر الرأي؛ إذ تربطه ببعضه أكثر من وشيجة، وتحكمه أكثر من آصرة وصلة، ما عزز بين الشعوب علاقات غير مرسومة، لم تكن في حسبان البعض. والشعوب اليقظة، والقيادات الحكيمة، تدرك أن الأفراد بسلوكهم يمثلون الشعوب، والشعوب بسلوكها مرآة صافية لحضارتها، وثقافتها، وتاريخها، وأي انتهاك أو إساءة لحقوق الإنسان يمارس من أفرادها، إنما هو في حقيقته انتهاك صارخ للهوية، وخروجٌ عن الجاده، ولا شك أن محاسبة الإنسان لضميره، أو محاسبة الشعب له أبلغ مما سواه.
نعم، اغتيل (الحريري)، ووجهت اتهامات إلى سوريا، البلد الشقيق، الذي يسرنا ما يسره، ويسوؤنا ما يسوؤه، وتربطنا به روابط شتى، ديناً، ولغة، وتاريخاً، وثقافة، وحضارة، وجوارا. ولستُ هنا بصدد هذه القضية؛ إذ تولتها قنوات رسمية، عالمية، وإقليمية أوكلت إليها هذه المهمة. الذي يهمني فقط، أن هذا الحادث فتح أمام الشعوب والدول التي تنشد الأمن والسلام والاستقرار والعدل والمساواة ملفات سابقة وساخنة، قابلة للحوار، والمناقشة، والطرح، والمحاكمة، بعيداً عن الصخب، والضجيج، والفوضى، والعنف.
كما أسلفت، كل حادثة تستدعي حوادث أخرى في وجدان الشعوب. شخصيات سابقة، لماذا تُغتال بهذه الطريقة؟ ولماذا لم يقدموا للمحاكمة الدولية، إن كان هناك من جرم ارتكبوه إبان حياتهم؟ لماذا ذلك الصمت المطبق أمام تلك الحوادث، رغم أنها شجبت واستنكرت من معظم زعماء العالم وقياداته، بمختلف التوجهات؟ لماذا لم تدوّل قضيتهم أمام القوانين التي ترضاها المروءة وترضاها شريعة الله والناس وترضاها الحضارات في أحدث عصورها ويرضاها المنصفون من الأصدقاء والأعداء؟؟.
الحقيقة، أنه بالعدل والمساواة يستقر النظام العالمي وتوطد أركانه، وتسود المحبة، والأخوة، والألفة، والتسامح بين الشعوب قاطبة. العالم بأجمعه، أمام تحدٍ كبير، واختبار صعب، فهل يا ترى قالت الشعوب الحية، والعالم المتحضر كلمة الفصل في هذه القضية؟.. هذا ما يبتغى منها ويؤمل، إن هي أرادت السلام.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved